طاقاتهم ، وقادهم عبر البحر إلى جزيرة سيناء ، ثم قصدوا فلسطين من بعده . هكذا استطاع الإنسان أن ينتصر على المستغلين والطواغيت بفضل الرسالة الإلهية .
ويذكِّر القرآن بني إسرائيل بهذه القصة ، ليقول لهم : إنهم لو تركوا رسالة الله ، لعادوا مرة أخرى ، أمة مستضعفة محرومة . وهكذا يذكر الأمة الإسلامية بهذه الحقيقة أيضا ، وهي : أن التمسك بالهدى الذي أنزله الله ، والتمحور حوله ، هو الكفيل بضمان استقلالهم وحريتهم . . يقول الله سبحانه : وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ أي يذيقونكم عذابا أليما يتمثل فيما يلي : يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ إنهم كانوا يقتلون أبناء النساء الخادمات لكيلا تنشغل النساء عن خدمتهم ، أو هو إشارة لذبح المولودين حديثا حين تنبأ الكهان بمولد الكليم عليه السلام ، حيث أنجى الله موسى عليه السلام . أو كانوا يفعلون ما هو أعظم وأشد ضررا على كرامة الإنسان .
وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ إنه شر عظيم ، ولكنه - بالرغم من ذلك - اختبار ( بلاء ) يمكن أن يتمخض عن إرادة قوية في التحدي والصمود ، وبالتالي في التحرر الحقيقي .
[ 50 ] ولكن لم يستطع بنو إسرائيل الخلاص من كل تلك المأساة إلا بفضل الرسالة الإلهية ، إذ جاءت ، ووحدتهم ، وأنقذتهم من ويلات الطغاة وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمْ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ وكم هي رائعة أن ينظر المحروم إلى جلاده : تتقاذفه أمواج البحر ، جزاء على جرائمه .
[ 51 ] الطاغوت انتهى ولكن آثار سيطرته لم تزل كامنة في النفوس ، وبارزة في التصرفات ، متمثلة في حالة الاستسلام والهزيمة النفسية والتعوُّد على الخضوع . من هنا تركهم قائدهم ومنقذهم عدة أيام ، فلما عاد إليهم فإذا بهم يسجدون للعجل ، لأنهم لا يزالون عبيدا في نفوسهم بالرغم من تحررهم الظاهر . هؤلاء كانوا بحاجة إلى ثورة ثقافية قوية تحرر نفوسهم من الذل والخنوع . كما كانوا بحاجة إلى ثورة اجتماعية تخلصهم من عبودية الرأسمالية العفنة التي كانت مرتبطة بنظام فرعون الطاغوتي . وكانوا أيضا بحاجة إلى ثورة علمية ترفعهم عن حضيض الماديات إلى عالم التوحيد الخالص . ثم إنهم يحتاجون إلى ثورة عمرانية تهديهم إلى بناء المدن وزراعة الأرض .
وفيما يلي نجد كيف أن رسالة الله فجَّرت هذه الثورات في واقع بني إسرائيل حتى استطاعوا بناء أمة مجيدة .
ألف : ذهب موسى إلى طور سيناء ، ليتلقى الوحي فلما عاد وجد قومه في نكسة جاهلية
من هدى القرآن — صفحة 184
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١٨٤