سكان الأرض من قبل الإنسان ؟ أم لأنهم اكتشفوا ذلك بعد أن عرفوا طبيعة الإنسان المزودة بالعقل والشهوات ؟ لا ندري ، المهم أنهم اعترضوا على الله ، لأنهم زعموا أن الله لا يخلق الخلق إلا لكي يقدسوه ويسبحوا بحمده . فقال لهم الله : كلا قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ .
[ 31 - 32 - 33 ] وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاء إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ ( 31 ) قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ( 32 ) قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ خلق الله آدم وحمَّله علماً ، فعرف الملائكة أن حكمة الخلق ليست هنا الطاعة وحدها ، بل الطاعة بعلم ووعي فتراجعوا عن اعتراضهم .
ولكن ما هي الأسماء التي علمها الله لآدم ؟ هل هي أسماء مجموعة من الناس ، أم مجموعة من الأشياء ؟ ربما تكون الأسماء في التعبير القرآني هي العلوم ، لأن العلم لا يصل إلى حقيقة الأشياء بل يكشف خصائصها وعلائمها ( أسمائها ) فقط لذلك عبر القرآن عن العلوم بالأسماء . ولكن لماذا قال الله أسماء هؤلاء ولم يقل أسماءها أو أسماء هذه ، إشارة إلى أشياء الطبيعة ؟ .
في بعض النصوص : إن كلمة هؤلاء إشارة إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله ، وآله عليهم السلام ، كما تشير إلى ذلك جملة من الأحاديث الشريفة التي رواها العديد من علماء المسلمين عموماً ، باعتبار أن الرسول وخلفاءه هم الصفوة المختارة من أبناء آدم عليه السلام وبالتالي موضع تجلي حكمة الله من الخلق . أوليس رسولنا الأكرم آية عظمة الله وهكذا خلفاؤه المعصومون . ويبدو أن التعليم الإلهي لآدم عليه السلام كان عامّاً ، في حين أن السؤال كان خاصّاً بما أشارت له تلك الأحاديث الشريفة .
وهناك رأي آخر هو أن الآية تشير إلى الملائكة أنفسهم - والملائكة بدورهم مهيمنون على قوى الطبيعة - ومعرفة أسماء الملائكة تعني العلم بخصائص الأشياء وعلامات قوى الطبيعة . وحين قال الملائكة : سبحانك ، عبروا عن مدى تقديسهم لله وأنه وحده الكامل أما هم فضعفاء ولا علم لهم .
ولعل في الآية الأخيرة دلالة على أن الملائكة كانوا قد أضمروا أشياء أخر وراء اعتراضهم . ربما أضمروا نوعا من الحسد تجسد بعدئذ في إبليس حين استكبر عن السجود ، ولذلك قال الله سبحانه : وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ .
وفي القصة كلها رمز آخر لابد أن نفصل القول فيه :
من هدى القرآن — صفحة 172
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١٧٢