تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 145

مساهمون:

ص١٤٥
نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ أي نعبدك وحدك ونستعين بك وحدك . وهذه الفكرة ذات اتجاهين ( إيجابا وسلبا ) . الأول : إننا نتوسل بالله ونوثِّق معه علاقاتنا ومن أبرزها الاهتداء إلى تنفيذ أوامره وتنفيذها ، مما يساعدنا على تجاوز كل محنة وتحقيق التطلعات . الثاني : إننا لا نتوسل بغير الله ، حتى لا نصبح اتكاليين وذيولا لآخرين تُفرض علينا وصايتهم ، وبالتالي يستعبدوننا . وعندما نتعمق قليلا في معنى هذه الآية نجدها تلخص فلسفة الحرية الإنسانية بصورة متينة . ما دام لله الأسماء الحسنى والتي منها ضمان حرية الإنسان دعنا نترك إذن الأصنام التي تعبد من دون الله لأنها لا تتصف بشيء من تلك الصفات ، فلا هي رب ولا رحمن ولا تملك جزاء . التصميم على الهداية [ 6 ] وحين نترك الأصنام الصامتة ( كالحجارة ) أو الناطقة ( كالذين يعبدون من دون الله ) آنئذ نكون على الصراط المستقيم . ولكن ليس بهذه السهولة نستطيع أن نحقق الاستقامة ، لأن التخلص من الأصنام مهمة صعبة للغاية . وعلى الإنسان أن يضع أمامه هدفا صعبا ليحققه في الحياة هو ( الاستقامة ) ويسعى من أجل تحقيقه بجد ومثابرة ، وذلك عبر ثلاث مراحل : المرحلة الأولى : التصميم على الاستقامة . ولن يكون التصميم على الاستقامة جادّاً إلا إذا عرف الإنسان أن في الحياة طرقا شتى لا تؤدي به إلى أهدافه المنشودة . وأن هناك طريقا واحدا فقط هو الذي يوصله إليها . وعرف أن التعرف على هذا الطريق والسير فيه هو من واجباته التي عليه أن يسعى لتأديتها ، وليست من نعم الله الطبيعية عليه ، ليست مثلا كنعمة البصر ، حيث يولد الطفل بصيرا . ولهذا فإننا ندعو الله أن يمنحنا الاستقامة ونقول : اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ وهذا الدعاء دليل على أن الله لا يمنح الاستقامة إلا لمن يطلبها منه . [ 7 ] وقد لا تكون الاستقامة أبدية ، إذ إن عواصف الشهوات وأمواج الضغوط الاجتماعية والحواجز النفسية ، ووساوس الشيطان ، تلعب بقلب الإنسان كما تلعب الأعاصير بريشة طائرة . من هنا على الإنسان أن ينتظر نعمة الله حتى تظل الاستقامة دائمة ومن هنا قال الله : صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ أي بنعمة الهداية التي تؤدي طبيعيًّا إلى الانتفاع بسائر نعم الله . وما دامت الاستقامة نعمة توهب وقد لا توهب للإنسان ، فعليه أن يظل يقظا كلما أبعدته