وكذلك نطلق لفظة الخمر للدلالة على السائل المسكر ، ونطلق لفظة الخِمار للدلالة على الساتر لوجه المرأة ، ولا نلاحظ أن علاقة اللفظين ببعضهما إنما هي من ناحية الستر ، فهذا يستر الوجه ، وتلك تستر العقل .
وهكذا تتداخل إيحاءات اللفظ العربي ببعضها ونفقد بذلك فهم أهم سمة من سمات اللغة العربية التي إن فهمناها لسهل علينا فهم القرآن كثيرا .
من هنا يتوجب علينا الخروج من الفهم التقليدي للألفاظ العربية نحو أفق أسمى ، يستشم المعنى الإيحائي العام منها .
وهذا الخروج ضروري لفهم القرآن الحكيم إذ إنه في قمة البلاغة التي تتلخص في رعاية التناسب الشامل بين الموضوع واللفظ ، وبين الواقع والتعبير . فيكون كشف المنحنيات التعبيرية والإيحاءات اللفظية ذا أهمية خاصة في القرآن أكثر من أي كتاب آخر لأنها معنية فيه بشكل لا يوصف .
يبقى السؤال : عن كيفية الخروج ؟ .
والجواب : على الفرد :
1 - أن يتجرد أولا عن موحيات المناخ الفكري الذي يصور له معنى جامدا للفظ .
2 - ثم الرجوع إلى المادة الأساسية التي تجمع كل التصريفات للكلمة ، والتفكير في المعنى المناسب لربط هذه المجموعة باللفظ ، فمثلا : نجمع معاني يعرشون ، عرشا ، معروشات ونعود إلى تصريفات اللفظ الأخرى ، عريش ، وعرش وما أشبه لنستنبط منها جميعا معنى البناء الفوقي لأنه يجمع معاني سرير الملك والبناء ، والمرفوع ، وسيباط الكرم ، والخيمة من الخشب هذه المعاني التي ذكرتها العرب لهذه الألفاظ .
3 - قياس موارد استعمال اللفظ ببعضها ليعرف المعنى المشترك الذي يمكن أن يتصور معنى جامعا بين هذه الموارد . ومن الطبيعي أن يعتبر في الاستعمال أن يكون على لسان أهل اللغة المعتنين بالبلاغة .
والأدباء اليوم يكتشفون ظلال الكلمات وإيحاءاتها من موارد الاستعمال في منطق البلغاء أكثر مما يكتشفونها في بطون الكتب اللغوية .
من هدى القرآن — صفحة 106
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١٠٦