يكن بالغاً ، إذا لم يكن غيره عالماً به ، أو كان هو أعلم من غيره إذا كان .
واستبعاد ذلك في غير محلّه ، كيف وقد أُعطيت النبوّة والإمامة لغير البالغ ، كالسيّد المسيح عيسى عليه السلام ، حيث أُعطي النبوّة وهو صبي ، والإمام الجواد عليه السلام الذي مُنح منصب الإمامة وهو غير بالغ .
لكن أُجيب بأنّ القياس مع الفارق ، فإنّ المعصوم مسدّد من قبل اللَّه تعالى ، فلا يعترض الشكّ في أقواله وأفعاله ، بخلاف غير البالغ غير المعصوم ، فإنّه لا يوثق بكلامه كما يوثق بكلام المعصوم .
مضافاً إلى عدم ولايته على التصرّف في أمواله ، فكيف تكون له الولاية في القضاء والأُمور الحسبيّة بالنسبة إلى غيره ؟ !
أضف إلى ذلك كلِّه أنّ المفتي يتحمّل وزر من عمل بفتواه ، ويحاسب عليه ، وغير البالغ لا أهليّة له لتحمّل وزر نفسه ، فكيف بتحمّله وزر غيره ؛ لرفع قلم التكليف عنه « 1 » .
2 - العقل :
واشتراطه ظاهر عند المتشرّعة ، فضلًا عن سائر عقلاء العالم عند رجوعهم إلى العالم .
وهل هو شرط للحدوث والبقاء ، أو للحدوث فقط ؟
وبعبارةٍ أُخرى هل يشترط العقل في المفتي عند الرجوع إليه ابتداءً واستدامةً ، أو يشترط فيه ابتداءً ، لا استدامةً ؟
فإذا قلّد شخصاً وكان عاقلًا ، ثمّ جُنّ - والعياذ باللَّه - فهل يجوز له البقاء على تقليده أم لا ؟
وكذا إذا كان جنونه أدواريّاً فقلّده حال إفاقته ، فهل يجوز له البقاء على تقليده حال جنونه أم لا ؟
قال السيّد الحكيم : « لا مانع عند العقلاء من الرجوع إليه ، وحكي القول به عن بعض متأخّري المتأخّرين ، كصاحبي المفاتيح والإشارات ، ولا بأس به إن لم ينعقد الإجماع على خلافه ؛ لعموم الأدلّة » « 2 »
هامش
( 1 ) تنقيح مباني العروة ( للشيخ التبريزي ) 1 : 56 .
أقول : يمكن أن نفرّق بين أمرين :
الأوّل - المرجعيّة والرئاسة العامّة التي هي نيابة عنالإمام الحجّة عليه السلام . فهنا يأتي كلام شيخنا التبريزي ردّاًعلى شيخه السيّد الخوئي . فإنّ المرتكز عند المتشرّعة هو أن يكون المفتي واصلًا إلى مرحلة من العمر بحيثيتمشّى منه تنفيذ شؤونات هذا المنصب ، وقياسه على النبي أو الإمام عليهما السلام قياس مع الفارق ، فإنّ هذين مقبولين عند من يعتقد بهما على صغرهما ، بخلاف المتصدّي للمرجعيّة ، وهذا واضح وجداناً لمن تأمّل فيه .
الثاني - مجرّد الفتوى والإخبار بالحكم الشرعي ، من دون التلبّس والتصدّي لأيِّ منصب من مناصب الفقيه ، فهنا يصحّ ما قاله السيّد الخوئي والسيّد الحكيم : من أنّ السيرة لا تمنع من العمل بفتواه .
( 2 ) المستمسك 1 : 42 .