والالتزام بظهور الجزاء في صرف الوجود ، وكفاية وجود واحد من الجزاء ولو مع تعدّد الشرط ، يستدعي تداخل الأسباب .
وهنا يأتي الكلام في تقديم أحد الظهورين على الآخر .
والقائلون بعدم التداخل - وهم الأكثر - يلتزمون بالظهور الأوّل ويرفعون اليد عن الظهور الثاني ، ويقولون : إنّ رفع اليد عن ظهور الشرط في الاستقلال يستدعي رفع اليد عن الظهور بعدد الجملات الشرطيّة ، أما رفع اليد عن ظهور الجزاء في الوحدة لا يستلزم رفع اليد إلّا عن ظهور واحد ، والثاني أقلّ مؤونة ومحذورا من الأوّل ، فيقدّم عليه .
بل إنّ ظهور الجمل الشرطيّة - أي الشرط فيها - في التعدّد يرفع ظهور الجزاء في الوحدة ؛ لأنّ الجزاء تابع للشرط وجودا وعدما ، وبعد رفع ظهور الجزاء في التعدّد ، يبقى ظهور الشرطيّات في التعدّد سليما عن المعارض فيقدّم « 1 » .
دليل القول الثاني :
عمدة ما استدلّوا به للقول بالتداخل هو :
أوّلا - ما ذكره النراقي : من أنّ تأصيل الأصل الطارىء يتوقّف على إقامة الدليل على ذلك ، فإذا لم يقم لم يحكم بثبوته ، بل يحكم بخلافه « 1 » .
ثانيا - ما ذكره أيضا : من أنّ إطلاق أدلّة الأحكام يقتضي التداخل ، فإذا قال : « إذا بلت فتوضّأ » فهو مطلق سواء بال مرّة واحدة أو أكثر ، والمطلوب ماهيّة الوضوء من دون دخالة للعدد فيه « 2 » .
ثالثا - ما ذكره أكثر القائلين بالتداخل : من أنّ الدليل الذي ذكروه لأصالة عدم التداخل وهو :
أنّ كلّ سبب يقتضي مسبّبا ، والأسباب المتعدّدة تقتضي مسببات متعدّدة ، إنّما يصدق في الأسباب والمسببات العقليّة لا الشرعيّة « 3 » .
وأضاف بعضهم بأنّ الأسباب الشرعيّة إنّما هي معرّفات لا علل وأسباب حقيقيّة ، فلا مانع من اجتماع معرّفين أو أكثر للدلالة على معرّف « 4 » .
هذا ، وقد ناقش القائلون بعدم التداخل هذه الوجوه خاصّة الأخيرين منهما ؛ إذ الأوّل لا يحتاج إلى مناقشة بعد قيام الدليل على التداخل .
هامش
( 1 ) انظر : نهاية الأفكار ( 1 - 2 ) : 485 - 487 ، وأصول الفقه ( للمظفر ) 1 : 110 - 111 .
1 انظر عوائد الأيام : 299 ، عائدة 31 .
2 انظر المصدر المتقدّم .
3 انظر مشارق الشموس : 61 ، والمصادر الآتية .
4 انظر : ذخيرة الأحكام : 8 و 511 و 566 ، وكفاية الأحكام 2 : 411 ، والحدائق 8 : 36 و 341 و 9 : 341 و 24 : 297 ، وعوائد الأيام : 293 - 294 .