ذهب إلى كلّ من التخيير البدوي والاستمراري بعض الأصوليين .
فالذين قالوا بأنّ التخيير استمراري احتجّوا بأنّ كلّ واقعة من الوقائع الطولية المتعدّدة يصدق عليها أنّها من موارد دوران الأمر بين المحذورين فيشملها حكمه وهو التخيير ، نعم إذا اختار الفعل في هذا الأسبوع والترك في الأسبوع الآخر لم تحصل الموافقة القطعية - أي لم يوافق التكليف الواقعي قطعا - لأنّه لو كان واجبا فقد تركه ، ولو كان حراما فقد فعله ، لكن هذا لا بأس به ؛ لعدم كون التكليف الواقعي منجّزا حسب الفرض ، وعدم التنجز هذا موجود في كلّ واقعة من الوقائع المتعدّدة .
ذهب إلى ذلك المحقّقان النائيني « 1 » والعراقي « 2 » .
هذا ، وقوّى الشيخ الأنصاري التخيير الاستمراري في دوران الأمر بين المحذورين « 3 » ، لكنّه يبدو منه اختيار التخيير البدوي في باب تعارض الخبرين ؛ لأنّه بعد أن اختار الاستمراري استشكل فيه : بأنّ موضوع روايات التخيير هو تحيّر من وصل إليه الخبران المتعارضان ، وبعد اختيار أحدهما بدوا لم يبق هذا الموضوع وهو التحيّر « 1 » .
لكن لو تمّ ذلك فهو خاصّ بمورد التعارض .
أمّا صاحب الكفاية فلم يتعرّض لذلك في الكفاية ، لكن استفيد من كلام له في حاشيته على الرسائل القول بالتخيير الاستمراري أيضا « 2 » .
واستدلّ بعض القائلين بالتخيير البدوي ، بأنّ العلم الإجمالي بوجوب الفعل أو تركه في هذه الجمعة يتولّد منه علمان إجماليان آخران ، وهما :
العلم الإجمالي بوجوب الفعل وحرمة الترك ، والعلم الإجمالي بوجوب الترك وحرمة الفعل ، وهذان العلمان الإجماليان وإن لم يمكن موافقتهما القطعية ؛ لعدم إمكان الفعل والترك معا ، في الواقعتين ، لكنّ المكلّف قادر على المخالفة القطعيّة بالإتيان في الواقعتين أو تركه فيهما .
فإذا كان قادرا على المخالفة القطعيّة ، وجب عليه مراعاة حريم العلم الإجمالي بهذا المقدار ، ويكون منجّزا في حقّه بمقدار منعه من المخالفة القطعيّة ، فعلى المكلّف أن لا يفعل ما يلزم منه المخالفة القطعيّة ، وذلك لا يتحقّق إلّا بأن يختار في الواقعة الثانية ما اختاره في الواقعة الأولى ، وهو معنى مراعاة التخيير البدوي .
هامش
( 1 ) انظر فوائد الأصول 3 : 452 - 454 .
( 2 ) انظر نهاية الأفكار 3 : 295 - 296 .
( 3 ) انظر فرائد الأصول 2 : 189 .
1 انظر فرائد الأصول 4 : 43 .
2 قال ذلك صاحب منتهى الدراية في ج 5 : 584 .