عندئذ بكونه مخيّرا بين الفعل والترك عقلا أو شرعا ؟
وهل تجري الأصول العمليّة في أطراف هذا العلم الإجمالي أم لا ؟
اختلف الأصوليون في ذلك على أقوال ، ولكن قبل بيان الأقوال في المسألة لا بدّ من بيان صور المسألة المبحوث عنها .
تحديد محلّ البحث وبيان صور المسألة :
تقدّم أنّ مورد البحث هو ما لو علم فيه جنس التكليف ، ولم يمكن فيه الاحتياط ، وهو المعبّر عنه ب « دوران الأمر بين المحذورين » .
مثاله كما تقدّم ، ما لو علم جنس التكليف وهو الإلزام ، لكن لم يعلم هل الإلزام تعلّق بالفعل أو الترك .
وهذا تارة يكون في الأمرين التوصّليين ، أي الذين لم تكن حاجة إلى قصد القربة فيهما .
وأخرى يكون في الأمرين التعبّديين ، أو أحدهما تعبّدي والآخر توصّلي .
وفي كلا الحالتين ، تارة تكون الواقعة واحدة ، وأخرى متعدّدة .
المورد الأوّل - إذا دار الأمر بين الأمرين التوصليّين وكانت الواقعة واحدة :
مثاله : ما لو علمنا إجمالا بوجوب شرب ما في هذا الإناء أو حرمته .
فهنا لمّا لم يخل المكلّف تكوينا من الفعل - وهو الشرب - أو الترك - وهو ترك الشرب - فلم تمكن الموافقة القطعيّة ، ولا المخالفة القطعيّة ؛ فيدور الأمر بين محذورين ، وهما :
- مخالفة وجوب الشرب ، وذلك بترك الشرب .
- ومخالفة حرمة الشرب ، وذلك بالشرب .
فالمحذوران هما : الشرب وتركه ، والمكلّف لم يخل منهما ، أراد أو أبا ، وهذا ممّا لا كلام فيه .
وإنّما الكلام في أنّه هل يجوز إسناد هذا التخيير إلى العقل أو الشرع ، فيقال : المكلّف مخير عقلا أو شرعا بين فعل الشرب وتركه ؟ وهل يجوز إجراء الأصول العملية من البراءة والإباحة ونحوهما في الطرفين ، أم لا ؟
للأصوليين خمسة أقوال في هذا المجال ، وهي :
القول الأوّل - جريان البراءة الشرعيّة والعقليّة في الطرفين :
ذهب إليه السيّد الخوئي ، وعلّله بقوله :
« لعموم أدلّة البراءة الشرعيّة ، وعدم ثبوت ما يمنع عن شمولها ، ولحكم العقل بقبح العقاب على خصوص الوجوب أو الحرمة ، للجهل به ، الموجب لصدق عدم البيان » « 1 » .
هامش
( 1 ) موسوعة الإمام الخوئي 47 : 382 ، وانظر فرائد الأصول 2 : 178 - 179 .