اتّفاقا « 1 » .
والجواب عن هذا الدليل هو : أنّ الإنسان غير مجبور كما قامت عليه الأدلّة القويّة في موضعه ، وأحسن المذاهب في ذلك ما ذهب إليه الأئمّة من أهل البيت عليهم السّلام : من « أنّه لا جبر ولا تفويض ، بل أمر بين أمرين » « 2 » .
ثانيا - أدلة المثبتين :
استدلّ العدليّة - أي القائلون بالعدل الإلهي ، وهم الإماميّة والمعتزلة - على إثبات الحسن والقبح العقليّين بأدلّة ، منها :
1 - من المعلوم ضرورة حسن الإحسان وقبح الظلم عند كلّ عاقل من غير اعتبار الشرع ، وذلك يدركه حتى منكر الشرائع .
ومن المعلوم ضرورة أيضا مدح العقلاء لفاعل الإحسان وذمّهم لفاعل الظلم ، ومنشأ مدحهم لفاعل الإحسان شعورهم بأنّ العدل كمال للإنسان العادل وملائم لمصلحة النوع الإنساني وبقائه ، كما أنّ منشأ ذمّهم لمرتكب الظلم شعورهم بأنّ الظلم نقص لفاعله ، ومنافر لمصلحة النوع الإنساني وبقائه .
2 - لو كان الحسن والقبح العقليّان لا يثبتان إلّا من طريق الشرع ، فهما لا يثبتان أصلا حتى من طريق الشرع .
توضيح ذلك : أنّه لا شكّ في وجوب إطاعة الأوامر والنواهي الشرعيّة ، كما لا شكّ في وجوب المعرفة .
وهذا الوجوب شرعي عند الأشاعرة وعقلي عند العدليّة ، فهنا يأتي دور السؤال عن أنّ وجوب الإطاعة إذا كان شرعيّا فهو يحتاج إلى أمر - مثل
أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ
- وهذا الأمر يحتاج وجوب إطاعته إلى أمر أيضا ، فإن كان الآمر هو العقل بطل قول الأشاعرة ، وانتهى وجوب الإطاعة وحسنها إلى درك العقل ، وإن كان الآمر هو الشرع ننقل الكلام إليه ، وهكذا إلى غير نهاية ، أو ننتهي إلى حكم العقل بوجوب الإطاعة .
ولذلك يقال بالنسبة للآية وأمثالها : إنّها إرشاد إلى حكم العقل بوجوب الإطاعة .
والحاصل : أنّ وجوب إطاعة الشارع في أحكامه يتوقّف على حكم العقل بذلك .
بل إنّ ثبوت الشرائع من أصلها يتوقّف على التحسين والتقبيح ، ولو كان ثبوتها من طريق
هامش
( 1 ) المواقف وشرحها 3 : 271 ، الموقف الخامس ، المرصد السادس ، فإنّه ذكر عدّة أدلّة ارتضى من بينها اثنين :
الدليل المتقدّم ، والدليل الثاني ممّا ذكرناه ، ونسب الباقي إلى الضعف .
( 2 ) عيون أخبار الرضا 1 : 124 والباب 11 ، الحديث 17 ، والتوحيد ( للصدوق ) : 362 ، الحديث 8 .