كانت هذه بعض الموارد التي استند الفقهاء فيها إلى التجارب ، وهناك موارد كثيرة أخر لا مجال لعدّها ، من قبيل اعتماد الفقهاء في معرفة الزوال ، والقبلة . وعدد أيام الشهر الهلالي وأنّه لا يزيد على الثلاثين يوما ، ونحوها على تجارب أهل الهيئة « 1 » ، واعتمادهم في تشخيص دم الحيض والاستحاضة على التجارب الحاصلة في طول التاريخ من أحوال النساء ، وتشخيص رشد الصبي بعد بلوغه بالتجربة « 2 » ، ونحو هذه الأمور .
لا فرق بين التجربة الطبيعيّة والاجتماعية :
التجربة الطبيعية مثالها ما تقدّم ، وأما مثال التجربة الاجتماعية فكإحالة معرفة بعض متعلّقات الأحكام إلى العرف ، كإحالة معرفة مفهوم الإهانة أو بعض مصاديقها إليه ، فالعرف بتجاربه مثلا يشخّص أنّ فعل كذا عند مجيء القادم يعتبر إهانة له ، وعندئذ يرتّب الشرع عليه الحكم ، وهو الحرمة ، وإن كان الفعل في حدّ ذاته مباحا .
الضمان بالتجربة :
محلّ الكلام هو ما إذا حدث تلف بسبب التجربة ، فهل يثبت الضمان على المجرّب أم لا ؟
والكلام تارة يكون في تلف الشيء المجرّب ، وأخرى في تلف الشيء المجرّب عليه .
أوّلا - ضمان تلف الشيء المجرّب :
إذا جرّب مال الغير ، فأدّت التجربة إلى تلفه ، فلا يخلو ذلك من إحدى حالات ثلاثة :
1 - أن يأذن المالك بالتجربة مطلقا :
لو أذن المالك بالتجربة مطلقا ، أي حتى لو أدّت التجربة إلى تلف الشيء المجرّب ، فلا إشكال في عدم الضمان ، مع مراعاة القيد الارتكازي ، وهو أن لا يستند التلف إليه لسوء استعماله وعدم معرفته لكيفيّته ، وإلّا فمع استناده إليه فلا إشكال في الضمان إلّا أن يعلم شمول إطلاق الإذن لهذه الصورة أيضا ، فلا ضمان عندئذ .
2 - أن لا يأذن المالك بالتجربة ولا بالإتلاف :
فلو لم يأذن المالك بالتجربة ، ولا بالإتلاف ، فلا تجوز التجربة تكليفا ، ويضمن المجرّب مع الإتلاف مطلقا ، سواء كان التلف مستندا إلى سوء معرفته بالتجربة أو لا ؛ لكون تصرّفه عدوانيّا ، نعم ربّما يقال بعدم الضمان فيما لو استند الإتلاف إلى سبب خارج عن إرادة المجرّب ، إلّا إذا كان وضع يده - أي المجرّب - على المجرّب وضعا عدوانيّا ، فيضمن حتى مع فرض كون حدوث التلف خارجا عن إرادته ، كما هو مقتضى فتواهم بذلك
هامش
( 1 ) انظر مجمع الفائدة 5 : 289 .
( 2 ) انظر الجواهر 26 : 109 - 111 .