عطفا تفسيريّا - وقد تعارف عند المتأخّرين من الأصوليّين إطلاق بناء العقلاء عليها .
وعلى أيّة حال ، فالمراد من بناء العقلاء كما قال السيّد محمد تقي الحكيم ، هو : « صدور « 1 » العقلاء عن سلوك معيّن تجاه واقعة ما ، صدورا تلقائيّا ، ويتساوون في صدورهم عن هذا السلوك على اختلاف في أزمنتهم وأمكنتهم ، وتفاوت في ثقافتهم ومعرفتهم ، وتعدّد في نحلهم وأديانهم .
وأمثلته كثيرة :
منها : صدور العقلاء جميعا عن الأخذ بظواهر الكلام ، وعدم التقيّد بالنصوص القطعيّة منه ، على نحو يحمّل بعضهم بعضا لوازم ظاهر كلامه ، ويحتجّ به عليه .
ومنها : صدور العقلاء جميعا عن الرجوع إلى أهل الخبرة فيما يجهلونه من شؤونهم الحياتيّة وغيرها ، فالمريض يرجع إلى الطبيب ، والجاهل يرجع إلى العالم ، وهكذا . . . » « 2 » .
الفرق بين بناء العقلاء وحكم العقل :
مع غضّ النظر عن أنّ العقل يحكم أم لا يحكم ، بل يقتصر على الدرك « 1 » ، نذكر الفرق الذي ذكره السيّد الحكيم في هذا المجال ، حيث قال : « والفرق بينه ، وبين حكم العقل ، أنّ حكم العقل - فيما يمكنه الحكم فيه - وليد اطّلاع على المصلحة أو المفسدة الواقعيّة . . . وهذا البناء لا يشترط فيه ذلك ؛ لكونهم يصدرون عنه - كما قلنا - صدورا تلقائيا غير معلّل ، فهو لا يكشف عن واقع متعلّقه من حيث الصلاح والفساد ، ولعلّ قسما كبيرا من الظواهر الاجتماعيّة منشؤه هذا النوع من البناء » « 2 » .
حجيّة بناء العقلاء :
إنّ بناء العقلاء وسيرتهم في حدّ ذاته لا يكون حجّة إلّا إذا كان ذلك بمرأى ومسمع المعصوم عليه السّلام ولم يردع عنه ، فإذا كان كذلك ، فنكشف عندئذ ارتضاءه لكاشفيّة بناء العقلاء .
قال السيّد محمد تقي الحكيم : « وحجّيّة مثل هذا البناء إنّما تتمّ إذا تمّ كشفه عن مشاركة المعصوم لهم في هذا الصدور ، فيما تمكن فيه المشاركة أو إقراره لهم على ذلك ، فيما لم تمكن فيه .
هامش
( 1 ) أصل الصدور : الانصراف ، وصدر القوم : انصرفوا .
المصباح المنير : « صدر » .
( 2 ) الأصول العامّة للفقه المقارن : 197 - 198 .
1 ففي مسألة « قبح العقاب بلا بيان » التي مرجعها إلى « قبح الظلم » ، إن قلنا : العقل حاكم ، فنقول : العقل يحكم بقبح الظلم ، وإن قلنا : إنّه مدرك ، نقول : إنّ العقل يدرك قبح الظلم .
2 الأصول العامّة للفقه المقارن : 198 .