وقد رواه الصدوق في الفقيه مرسلا ؛ للاستدلال به على جواز القنوت بالفارسيّة ، واستدلّ به على كون الأشياء على الإباحة حتّى يثبت الحظر ، كما قيل « 1 » .
وقال الشيخ الأنصاري : « ودلالته على المطلب أوضح من الكلّ » « 2 » .
لكن استشكل صاحب الكفاية على الاستدلال به من جهة : أنّ الورود إذا كان بمعنى الوصول فيتمّ به الاستدلال ؛ لأنّه يكون معنى الحديث : كلّ شيء مطلق حتّى يصل إلى المكلّف فيه نهي .
أمّا إذا كان بمعنى الصدور ، فلا يتمّ الاستدلال ؛ لأنّ المعنى يكون حينئذ : أنّ كلّ شيء لم يصدر من المشرّع فيه نهي فهو مطلق ، وهذا خارج عن محلّ الكلام الذي هو صورة الشكّ في صدور النهي « 3 » .
واستشكل النائيني في الحديث من حيث إنّ مفاده مفاد حديث : « إنّ اللّه سكت عن أشياء لم يدعها نسيانا » ، وهو أجنبيّ عن مفاد البراءة الذي مورده الشكّ في التكليف بعد إبلاغ النبيّ صلّى اللّه عليه واله الأحكام واختفاء بعضها بسبب بعض الموانع « 4 » .
هذا كلّه من حيث الدلالة ، وأمّا من حيث السند فالحديث مرسل ، كما تقدّم .
الحديث الخامس - حديث الحلّ :
وردت عدّة أحاديث استفيد منها البراءة ، ولسانها لسان : « كلّ شيء لك حلال حتّى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه » ، لكنّها وردت بصيغ متعدّدة .
الصيغة الأولى - ما وردت في صحيحة عبد اللّه بن سنان من أنّ : « كلّ شيء فيه حلال وحرام فهو لك حلال أبدا حتّى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه » « 1 » .
ووجه الاستدلال بهذه الصيغة هو : أنّ كلّ فعل ، أو كلّ عين يمكن أن يتّصف بالحلّ تارة وبالحرمة أخرى ، إذا لم يعرف المكلّف الحكم الخاصّ فيه من الحلّ أو الحرمة فهو حلال حتّى يعرف أنّه حرام بعينه .
وبهذا التفسير يشمل الاستدلال الشبهتين الحكميّة والموضوعيّة ، كما فعله الشيخ الأنصاري .
ولكن أورد على ذلك :
أوّلا - أنّ العناوين الكلّية إمّا أن تكون معلومة الحرمة أو لا تكون كذلك ، فعلى الأوّل تكون معلومة الحرمة بعينها ، وعلى الثاني ، لا علم بالحرمة أصلا ، نعم يتصوّر العلم بالحرام لا بعينه في الشبهة
هامش
( 1 ) انظر فرائد الأصول 2 : 52 .
( 2 ) فرائد الأصول 2 : 43 .
( 3 ) انظر الكفاية : 342 .
( 4 ) انظر فوائد الأصول 3 : 363 .
1 الوسائل 17 : 87 ، الباب 4 من أبواب ما يكتسب به ، الحديث الأوّل .