مصادر المعرفة عند الأئمّة عليهم السّلام :
مصادر المعرفة عند الإنسان إنّما هي :
الحسّ ، والعقل ، والإلهام ، والوحي .
فالمصدران الأوّلان يملكهما جميع أفراد الإنسان .
وأمّا الإلهام - وهو نوع من أنواع الوحي كما تقدّم في عنوان « إلهام » - فيختصّ به بعض أفراد الإنسان ، وتختلف مرتبته باختلاف مراتبهم .
وأمّا الوحي بمعناه الخاصّ ، فيختصّ به الأنبياء ، ثمّ يصل عن طريقهم إلى غيرهم .
وكلّما كانت الواسطة بين من نزل عليه الوحي - وهو النبيّ صلّى اللّه عليه واله - وبين من انتقل إليه أقلّ وأوثق ، كانت المعرفة أقرب إلى الحقيقة وأبعد عن الخطأ .
وهناك مرتبة أخرى بين الإلهام والوحي بمعناه الاصطلاحي الخاصّ ، وهي مرتبة التحديث ، وفيها يلقي الملك على سمع المحدّث معرفة من دون أن يرى المحدّث شخص الملك . بخلاف الوحي ، فإنّ الموحى إليه قد يرى الملك « 1 » .
والوحي بمعناه الخاصّ يختصّ بالنبيّ صلّى اللّه عليه واله بخلاف التحديث ، فإنّه قد يكون غير النبيّ محدّثا .
والأئمّة عليهم السّلام بما فيهم أصحاب الكساء قد اكتسبوا علومهم عن الطرق المتقدّمة جميعها ، فهم كأفراد من الإنسان يتمتّعون بقوّة الحسّ وبقدرة العقل بأعلى درجاته ؛ لاقتضاء منصبهم - وهو منصب الإمامة - ذلك ، كما تدلّ عليه ممارساتهم العلميّة في جميع المجالات .
وأمّا الإلهام ، فهم أهل له ؛ لما امتازوا به من صفاء النفس وطهارة الباطن ، وهما يهيّئان الأرضيّة الصالحة للإلهام الإلهي .
وكذا التحديث ، فهم ليسوا بأقلّ ممّن كانوا محدّثين في الأمم السابقة ولم يكونوا أنبياء ، مثل ذي القرنين ، وصاحب موسى ، وصاحب سليمان « 1 » .
وأمّا الوحي ، فقد قلنا : إنّه مختصّ بالأنبياء عليهم السّلام ، لكنّهم أخذوا ما نزل على جدّهم المصطفى صلّى اللّه عليه واله عن طريق أمير المؤمنين عليه السّلام .
هامش
( 1 ) انظر مرآة العقول 3 : 137 .
1 قال حمران بن أعين لأبي جعفر عليه السّلام : « ما موضع العلماء ؟ قال : مثل ذي القرنين ، وصاحب سليمان ، وصاحب موسى » ، ومقصوده من العلماء الأئمّة عليهم السّلام .
وقال بريد بن معاوية - سائلا أبا جعفر وأبا عبد اللّه عليهما السّلام - : « ما منزلتكم ؟ ومن تشبهون ممّن مضى ؟ قال : صاحب موسى ، وذو القرنين ، كانا عالمين ولم يكونا نبيّين » . أصول الكافي 1 : 268 - 269 ، باب في أنّ الأئمّة بمن يشبّهون ، الحديث 1 و 5 .
والمقصود من صاحب موسى هو الذي أشير إليه في قوله تعالى :فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً .الكهف : 65 ، وهو الخضر عليه السّلام على ما قيل .
ومن صاحب سليمان هو الذي أشير إليه في قوله تعالى :قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ .النمل : 40 ، وهو آصف بن برخيا . انظر : مجمع البيان ( 5 - 6 ) : 483 ، و ( 7 - 8 ) :
223 ، ومرآة العقول 3 : 156 و 159 .