وسنتكلّم عن قريب عن كيفيّة هذا الانتقال ، ولكن نشير قبل ذلك إلى ما يدلّ على ما قدّمناه من كيفيّة حصول علم الأئمّة عليهم السّلام عن غير الطريق الحسّي والعقلي :
ورد عن أبي الحسن موسى عليه السّلام أنّه قال :
« مبلغ علمنا على ثلاثة وجوه : ماض وغابر وحادث ، فأمّا الماضي فمفسّر ، وأمّا الغابر فمزبور ، وأمّا الحادث فقذف في القلوب ونقر في الأسماع ، وهو أفضل علمنا ولا نبيّ بعد نبيّنا » « 1 » .
قسّم الإمام عليه السّلام علومهم بحسب مصدرها إلى ثلاثة أقسام :
1 - الماضي : وهو ما تعلّق بالأمور الماضية .
وهو الذي وصفه عليه السّلام بالمفسّر ، بمعنى أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه واله قد فسّره لهم .
2 - الغابر : وهو ما تعلّق بالأمور الآتية ؛ لأنّ الغابر من الأضداد يأتي بمعنى الماضي والباقي معا ، ووصفه عليه السّلام بالمزبور ، أي مكتوب .
3 - الحادث : وهو ما يتجدّد من العلوم ، إمّا لكونه تفصيلا للأمور الكلّية التي حصل العلم بها مسبقا ، أو لغير ذلك ممّا ذكروه .
وهذا يحصل - بحسب الرواية - عن طريقين :
أ - القذف في القلوب ، وهو الإلهام .
ب - النقر في الأسماع ، وهو التحديث .
ووصف الإمام عليه السّلام الأخير بأنّه : « أفضل علمنا » لاختصاصه بهم في عصرهم ؛ لأنّ غيره من الطرق - وهو الإلهام - ربّما يشاركهم فيه غيرهم في بعض مراحله .
ثمّ صرّح الإمام عليه السّلام في نهاية حديثه : بأنّه لا نبيّ بعد نبيّنا صلّى اللّه عليه واله ؛ دفعا للتوهّم الاحتمالي بأنّهم عليهم السّلام أنبياء « 1 » .
تنبيه :
قال المجلسي : « والشرائع والأحكام يمكن إدخالهما في الأوّل ، أو في الثاني ، أو بالتفريق » « 2 » .
ومعنى ذلك : أنّ الأحكام إمّا أن تدخل في قسم الماضي فتكون مفسّرة ، وإمّا أن تدخل في قسم الغابر فتكون مزبورة ، أو يكون قسم منها في ذاك ، وقسم آخر في هذه . وظاهر كلامه عدم اندراجها في الحادث واختصاصه بالتكوينيّات ، واللّه العالم .
طرق انتقال علوم النبيّ صلّى اللّه عليه واله إلى الأئمّة عليهم السّلام :
في هذا المقطع نحاول بيان كيفيّة انتقال علوم النبيّ صلّى اللّه عليه واله الحاصل له عن طريق الوحي أو غيره إلى الأئمّة عليهم السّلام ، فنقول :
إنّ النبيّ صلّى اللّه عليه واله كان يعلّم عليّا عليه السّلام كلّ ما كان يتلقّاه عن طريق الوحي ، سواء كان في مجال الأحكام الشرعية أو تفسير كتاب اللّه ، أو سائر الجوانب الأخرى من المعارف الإلهيّة ، وقد تقدّم :
هامش
( 1 ) أصول الكافي 1 : 264 ، باب جهات علوم الأئمّة عليهم السّلام ، الحديث الأوّل .
1 انظر مرآة العقول 3 : 136 .
2 انظر مرآة العقول 3 : 136 .