الجانب التاريخي لأصالة البراءة :
لم يذكر المتقدّمون أصالة البراءة في كتبهم الأصوليّة بعنوان مستقلّ ، بل عنونوا مسألة أخرى ، وهي « الحظر والإباحة » ، فبحثوا عن أنّ الأصل في الأشياء - أو الأفعال الصادرة من الإنسان - هل هو الحظر أو الإباحة ؟
اختار السيّد المرتضى الإباحة ، وتوقّف الشيخان : المفيد والطوسي في ذلك . قال الأخير :
« واختلفوا في الأشياء التي ينتفع بها هل هي على الحظر ، أو الإباحة ، أو الوقف ؟ » .
ثمّ نسب إلى بعض أصحابنا القول بالحظر ، وإلى السيّد المرتضى القول بالإباحة ، وإلى أستاذه الشيخ المفيد القول بالوقف ، ثمّ اختاره هو أيضا « 1 » .
ومعنى الوقف : أنّه ينتظر ورود السمع - أي حكم الشرع - بواحد من الحظر أو الإباحة « 2 » .
وقد تقدّم الكلام عن هذه المسألة في عنوان « إباحة » .
نعم ، أشار السيّد المرتضى إلى مسألة البراءة في الذريعة عند الكلام عن أنّ النافي عليه الدليل أم لا ؟ فقال :
« وأمّا الاستدلال ببراءة الذمّة ، فممّا يمكن الاعتماد عليه ؛ لأنّ تعلّق الحقّ بالذمّة عقلا أو شرعا يحتاج إلى سبب استحقاق ، فإذا أدّى النظر إلى فقد سبب الاستحقاق ، علم براءة الذمّة ، ولولا صحّة هذه الطريقة لما علم العقلاء براءة ذممهم من الحقوق » « 1 » .
فنرى أنّه استدلّ بسيرة العقلاء على أصالة براءة ذمّة المكلّف من التكليف .
ولم نعثر على إشارة من الشيخ الطوسي إلى أصل البراءة في هذا المورد ، ولا في غيره .
ونقل الشيخ الأنصاري عن ابن زهرة قوله :
« إنّ التكليف بما لا طريق إلى العلم به ، تكليف بما لا يطاق » « 2 » ، ثمّ قال : « وتبعه بعض من تأخّر عنه ، فاستدلّ به في مسألة البراءة » .
ثمّ وجه كلامه بأنّه يريد : أنّ تكليف الشخص بإتيان ما لا يعلم به بقصد الامتثال والإطاعة ممّا لا يطاق ؛ لأنّ قصد الطاعة متوقّف على العلم بالأمر « 3 » .
وقال المحقّق الحلّي في المعارج : « إنّ الأصل خلوّ الذمّة عن الشواغل الشرعيّة . . . » ، ثمّ استدلّ عليه بدليل له مقدّمتان :
الأولى - أن نضبط طرق الاستدلالات
هامش
( 1 ) العدّة في الأصول 2 : 741 - 742 ، وانظر الذريعة في أصول الشريعة 2 : 809 .
( 2 ) انظر العدّة 2 : 742 .
1 الذريعة 2 : 836 - 837 .
2 الغنية 2 : 286 ، قاله عند الكلام عن الواجب التخييري ، وعبارته هكذا : « . . . لأنّ تكليفه بما لا طريق له إلى العلم به قبيح ، من حيث كان تكليفا لما لا يطاق » .
3 انظر فرائد الأصول 2 : 58 .