ولذلك موارد كثيرة - كما قال المظفّر - منها :
1 - ما إذا أراد المتكلّم بيان أمر فنبّه عليه بذكر ما يلازمه عقلا أو عرفا ، كما إذا قال القائل :
« دقّت الساعة العاشرة » - مثلا - لينبّه المخاطب على حلول الموعد المتّفق عليه ، أو قال : « إنّي عطشان » للدلالة على طلب الماء .
2 - ما إذا اقترن الكلام بشيء يفيد كونه علّة للحكم أو شرطا ، أو مانعا ، أو جزءا ، أو عدم كونه علّة ، أو شرطا ، أو . . .
مثاله : قول المفتي : « أعد الصلاة » لمن سأله عن حكم الشكّ بين الركعة الأولى والثانية ، فيفهم منه : أنّ الشكّ المذكور علّة لبطلان الصلاة ، وللحكم بوجوب الإعادة .
أو قوله : « كفّر » لمن قال له : « واقعت أهلي في نهار شهر رمضان » ؛ فإنّه يفهم منه : أن مواقعة الصائم في نهار شهر رمضان علّة لوجوب الكفّارة .
أو قوله : « بطل البيع » لمن قال له : « بعت السمك في الماء » ، فيفهم منه أمران : اشتراط القدرة على تسليم المبيع في صحّة البيع ، وعدم جهالته ، والسمك في الماء - النهر أو البحر - غير مقدور على تسليمه فعلا ، ومجهول مقداره .
أو قوله : « لا تعد » لمن قال له : « صلّيت في الحمّام » ، فيفهم منه عدم مانعيّة الكون في الحمام عن صحّة الصلاة .
3 - ما إذا اقترن الكلام بشيء يفيد تعيين بعض متعلّقات الفعل ، كما إذا قال القائل : « وصلت إلى النهر وشربت » ، فيفهم منه : أنّ المشروب منه هو الماء من النهر .
أو قال : « قمت وخطبت » ، أي وخطبت قائما . . . « 1 » .
الفرق بين دلالة الإيماء ودلالتي الاقتضاء والإشارة :
إنّ المناط في دلالة الاقتضاء : أن تكون الدلالة مقصودة ، وأن لا يصدق الكلام أو لا يصحّ بدونها ، مثل :
وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ
« 2 » ، أي واسأل أهل القرية .
والمناط في دلالة الإيماء : أن تكون الدلالة مقصودة للمتكلّم كما يظهر من ملاحظة الأمثلة المتقدّمة . ولكن لا يتوقّف صدق الكلام أو صحّته عليها .
والمناط في دلالة الإشارة : أن لا تكون الدلالة مقصودة - عكس الدلالتين المتقدّمتين - ولكن مدلولها لازم لمدلول الكلام لزوما بيّنا بالمعنى الأعمّ ، أو لزوما غير بيّن ، سواء استنبط المدلول من كلام واحد أو من كلامين ، كما في استفادة أقلّ مدّة الحمل من الآيتين « 3 » .
راجع تفصيل ذلك في العنوانين : « إشارة »
هامش
( 1 ) انظر : أصول الفقه ( 1 - 2 ) : 123 - 124 ، والوافية :
228 - 229 .
( 2 ) يوسف : 82 .
( 3 ) انظر : أصول الفقه ( 1 - 2 ) : 120 - 125 . والآيتان هما : 15 من سورة الأحقاف ، و 14 من سورة لقمان .