ثمّ قال : « وكلّها أحاديث صحاح » ، ثمّ ذكر روايات أخر تقدّم بعضها ، ثمّ قال :
« وحديثهم محمول على رفع الصوت والندب وشبههما بدليل ما روى جابر : أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه [ وآله ] وسلّم أخذ ابنه فوضعه في حجره ، فبكى ، فقال له عبد الرحمن بن عوف : أتبكي ؟ ! أو لم تكن نهيت عن البكاء ؟ ! قال : لا ، ولكن نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين ، صوت عند مصيبة ، وخمش وجوه ، وشقّ جيوب ، ورنّة شيطان » .
ثمّ قال : « قال الترمذي : هذا حديث حسن ، وهذا يدلّ على أنّه لم ينه عن مطلق البكاء ، وإنّما نهى عنه موصوفا بهذه الصفات » « 1 » .
وبذلك كلّه أجاب الشهيد الأوّل عن الرواية المتقدّمة في الذكرى « 2 » .
هذا كلّه مضافا إلى التنافي الموجود في متن الرواية ؛ لأنّ الرواية في ذيلها علّقت النهي عن البكاء على « الوجوب » وهو الموت ، والظاهر من صدر الرواية أنّ بكاء النساء إنّما كان بعد قول النبيّ صلّى اللّه عليه واله : « قد غلبنا عليك أبا الربيع » ، أي بعد الإعلان بموته ، ومع ذلك فقد منع صلّى اللّه عليه واله من نهيهنّ من البكاء عندئذ .
ويؤيّد ما ذكرنا ما روي بعدّة طرق : أنّ ابنا لأبي عبد اللّه الصادق عليه السّلام مرض ، وكان مهتمّا بأمره مغموما عليه ، فصرخت صارخة من الدار ، فقام أبو عبد اللّه عليه السّلام ثمّ جلس فاسترجع وعاد في حديثه حتّى فرغ منه ، ثمّ قال : إنّا لنحبّ أن نعافى في أنفسنا وأولادنا وأموالنا ، فإذا وقع القضاء فليس لنا أن نحبّ ما لم يحب اللّه لنا » « 1 » .
فهذه الرواية تبيّن جانب التسليم للّه تعالى بعد وقوع الحادثة ، ولا ينافيه الاهتمام بطلب العافية من اللّه تعالى بالدعاء والأسباب العاديّة قبل وقوعها .
وعلى هذا المعنى يمكن حمل النهي عن الصراخ والبكاء بعد وقوع الحادثة ، أي يكون المنهيّ عنه ما كان منافيا للاعتقاد بقضاء اللّه تعالى وقدره .
ويشهد لما قلناه : عدم نقل نهي الإمام عليه السّلام عن الصراخ عند موت الصبي .
وقد روي أنّه عليه السّلام فعل ذلك أيضا عند موت ابنه إسماعيل « 2 » .
ولذلك موارد مشابهة أخرى « 3 » .
وأمّا رواية عمر وابنه عبد اللّه عن النبيّ صلّى اللّه عليه واله :
« إنّ الميّت يعذّب ببكاء أهله عليه » « 4 » ، فمردودة
هامش
( 1 ) المغني ( لابن قدامي ) 3 : 410 و 411 ، وانظر سنن الترمذي 3 : 328 ، ذيل الحديث 1005 .
( 2 ) انظر الذكرى 2 : 49 .
1 الكافي 3 : 225 - 226 ، كتاب الجنائز ، باب الصبر والجزع والاسترجاع ، الحديث 11 و 13 و 14 ، وانظر المصدر الآتي .
2 انظر الوسائل 3 : 276 - 277 ، الباب 85 من أبواب الدفن ، الحديث 5 و 6 .
3 انظر الوسائل 3 : 276 - 277 ، الباب 85 من أبواب الدفن ، الحديث 5 و 6 .
4 أورد مسلم في صحيحه 2 : 638 بابا تحت عنوان -