الأخبار مستفيض ، وهما من الكبائر ، فيقدحان في العدالة مطلقا ، وإنّما جعل التظاهر بهما قادحا ؛ لأنّهما من الأعمال القلبيّة ، فلا يتحقّق تأثيرهما في الشهادة إلّا مع إظهارهما ، وإن كانا محرّمين بدون الإظهار » « 1 » .
وكلامه صريح في حرمة بغض المؤمن حتّى مع عدم الإظهار وإن لم يكن قادحا في العدالة ؛ لأنّ الكاشف عنها هو السيرة العمليّة للإنسان ، فمع عدم ارتكاب الفرد ما يخلّ بالعدالة ظاهرا يحكم بعدالته .
ومثله قال الأردبيلي ، حيث قال : « . . . وكذا بغض المؤمن مطلقا ظهر أم لا ، فإنّه حرام » « 2 » .
ولكن قال الشيخ الطوسي ما حاصله : أنّ العصبيّة هي : أن يبغض الإنسان غيره لكونه من بني فلان ، فإن اقتصر على البغض القلبي من دون إظهار ، فلا شيء عليه ولا تردّ شهادته .
وإن أظهر العداوة من دون أن يقرنها بسبّ أو فحش ، فهو موجب لردّ شهادته على من أظهر بغضهم ، بسبب العداوة التي بينه وبينهم ، لا بسبب الفسق ؛ لعدم حصول الفسق بمجرّد ذلك .
وإن قرنها بالسبّ والفحش ، فتردّ شهادته في حقّ كلّ أحد ، لحصول الفسق بسبب السبّ والفحش « 3 » .
وكلامه ظاهر في عدم الفسق ما لم يظهر البغض مقرونا بمثل السبّ ونحوه ، وهذا يعني أنّ الحرمة جاءت من قبل السبّ ؛ لأنّ السبّ في حدّ ذاته محرّم .
وقال صاحب الجواهر - بعد نقل ذلك كلّه - :
« . . . يمكن أن يقال : إنّ التظاهر بهما « 1 » محرّم ، ويؤيّده ما تسمعه من الأصحاب من عدم اقتضاء العداوة الدنيويّة - المفسّرة عندهم بسرور كلّ منهما بمساءة الآخر وبالعكس - فسقا » « 2 » .
وقال السيّد الخوئي : « قد يقال : إنّ العداوة الدنيويّة للأخ المسلم لا تجتمع مع العدالة ، فلا حاجة إلى اعتبار عدمها بعد اعتبار العدالة في الشهادة ، ولكنّ الصحيح أنّها لا تضرّ بالعدالة أحيانا ؛ إذ قد يمكن حصول العداوة لسبب ما فيبغض الإنسان - مثلا - قاتل ابنه خطأ بحيث لا يحبّ أن يراه ، ولكن لا يرتكب عملا ينافي عدالته من هتك ، أو سبّ ، أو غير ذلك ، فمثل هذه العداوة تجتمع مع العدالة » « 3 » .
ولعلّه اقتبس ما قاله من كلام النراقي ، حيث قال : « والتحقيق : أنّ العداوة القلبيّة ليست أمرا اختياريّا تترتّب عليها معصية ، وكذا السرور بالمساءة ، والمساءة بالسرور ، فإنّ من قتل ولد شخص ، أو هتك عرضه . . . يسرّ بمساءته ويغتمّ
هامش
( 1 ) المسالك 14 : 184 .
( 2 ) مجمع الفائدة 12 : 343 .
( 3 ) انظر المبسوط 8 : 227 .
1 أي الحسد وبغضة المؤمن .
2 الجواهر 41 : 53 .
3 مباني تكملة المنهاج 1 : 95 .