وجماعة من آل أبي طالب الذين كانوا عنده ، فلمّا حضروه نعاه إليهم وبكى ، وأظهر حزنا شديدا وتوجّعا ، وأراهم إيّاه صحيح الجسد ، وقال :
« يعزّ عليّ يا أخي أن أراك في هذه الحال ، قد كنت آمل أن اقدّم قبلك ، فأبى اللّه إلّا ما أراد » ، ثمّ أمر بغسله وتكفينه وتحنيطه ، وخرج مع جنازته يحملها حتّى انتهى إلى الموضع الذي هو مدفون فيه الآن فدفنه .
والموضع دار حميد بن قحطبة في قرية سناباد بأرض طوس ، وفيها قبر هارون الرشيد ، وقبر أبي الحسن عليه السّلام بين يديه في قبلته « 1 » .
فضائل الإمام عليه السّلام ومناقبه :
كان إبراهيم بن العبّاس « 2 » يقول : « ما رأيت الرضا عليه السّلام سئل عن شيء قطّ إلّا علمه ، ولا رأيت أعلم منه بما كان في الزمان إلى وقته وعصره ، وكان المأمون يمتحنه بالسؤال عن كلّ شيء ، فيجيب عنه ، وكان كلامه كلّه وجوابه وتمثّله انتزاعات من القرآن ، وكان يختمه في كلّ ثلاث ويقول : " لو أنّي أردت أن أختمه في أقرب من ثلاث لختمت ، ولكنّي ما مررت بآية قطّ إلّا فكّرت فيها ، وفي أي شيء أنزلت ، وفي أيّ وقت ؛ فلذلك صرت أختمه في كلّ ثلاث " » .
وقال أيضا : « ما رأيت ، ولا سمعت بأحد أفضل من أبي الحسن الرضا ، وشاهدت منه ما لم أشاهده من أحد ، وما رأيته جفا أحدا بكلامه قطّ ، ولا رأيته قطع على أحد كلامه حتّى يفرغ منه ، وما ردّ أحدا عن حاجة يقدر عليها ، ولا مدّ رجليه بين يدي جليس له قطّ ، ولا اتّكأ بين يدي جليس له قطّ ، ولا رأيته يشتم أحدا من مواليه ومماليكه ،
هامش
( 1 ) انظر الإرشاد 2 : 271 .
أقول : إنّه كان يخبر مرارا بأنّه سيجنمع هو وهارون ، فقد روى الشيخ المفيد بإسناده إلى مسافر أنّه قال : « كنت مع أبي الحسن الرضا عليه السّلام بمنى فمرّ يحيى بن خالد ، فغطّى وجهه من الغبار ، فقال الرضا عليه السّلام :
مساكين لا يدرون ما يحلّ بهم في هذه السنة ، ثمّ قال :
وأعجب من هذا ، هارون وأنا كهاتين ، وضمّ إصبعيه .
قال مسافر : فو اللّه ما عرفت معنى حديثه حتّى دفناه معه » . الإرشاد 2 : 258 .
( 2 ) جاء في وفيات الأعيان : « إبراهيم بن العبّاس بن محمّد بن صول ، بغداديّ ، أصله من خراسان ، يكنّى بأبي إسحاق ، أشعر نظرائه الكتّاب ، وأرقّهم لسانا . . .
وهو أنعت الناس للزمان وأهله ، غير مدافع ، وأصله - - تركي ، وكان صول وفيروز أخوين ملكا جرجان ، تركيان ، تمجّسا وصارا أشباه الفرس ، فلمّا حضر يزيد بن المهلّب بن أبي صفرة جرجان أمّنهما ، فلم يزل صول معه وأسلم على يده حتّى قتل معه يوم العقر . . .
واتّصل إبراهيم وأخوه عبد اللّه بذي الرياستين الفضل بن سهل ، ثمّ تنقّل في أعمال السلطان ودواوينه إلى أن توفّي وهو يتقلّد ديوان الضياع والنفقات بسرّ من رأى ، للنصف من شعبان سنة ثلاث وأربعين ومئتين » . وفيات الأعيان 1 : 45 - 46 ، الترجمة 11 ، نقلا عن كتاب « الورقة » .