استطعت أن يستغفر لك فافعل » « 1 » .
ولم يخالف جواز الاستغاثة بالمعنيين المتقدّمين أحد من المسلمين سوى ابن تيميّة ومن سار على نهجه من المتأخّرين « 2 » .
وأهمّ ما تمسّكوا به هو :
1 - قوله تعالى :
وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ ما يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ * إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ
« 3 » .
لكن ردّ الاستدلال : بأنّ المراد من « الدعاء » في الآية هو العبادة « 4 » ، وواضح أنّ عبادة غير اللّه تعالى شرك بأيّ نحو كانت . لكن ليس كلّ دعاء عبادة ، فما أكثر من دعا الرسول صلّى اللّه عليه واله في حياته بمرأى ومسمع منه .
فالآية فيها توبيخ للذين يعبدون غير اللّه تعالى من الأشخاص والأوثان والأصنام .
والاستغاثة بمعناها الصحيح لا تتضمّن عبادة المستغاث به حتّى تشملها الآية .
2 - قوله تعالى :
وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ
« 1 » .
هامش
( 1 ) صحيح مسلم 4 : 1968 ، كتاب فضائل الصحابة ، باب فضل أويس القرني ، الحديث 225 .
( 2 ) انظر الموسوعة الفقهيّة ( إصدار وزارة الأوقاف الكويتيّة ) 4 : 26 ، عنوان « استغاثة » .
( 3 ) فاطر : 13 - 14 .
( 4 ) قال السيّد الأمين : « . . . إنّ الدعاء في اللغة مطلق النداء ، قال اللّه تعالى :لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً[ النور : 63 ] ، ويطلق الدعاء على سؤال اللّه تعالى والرغبة إليه وطلب حوائج الدنيا والآخرة منه باعتقاد أنّه مالك أمر الدنيا والآخرة . . .
وإطلاق الدعاء على ذلك إمّا لأنّه أحد أفراد المعنى اللغوي ، أو لصيرورته حقيقة عرفيّة في ذلك ، أو مجازا مشهورا . وقد ورد في الشرع الحثّ على دعاء اللّه تعالى وطلب حوائج الدنيا والآخرة منه وسمّي عبادة . قال اللّه تعالى :ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ[ غافر : 60 ] - - وقال زين العابدين علي بن الحسين عليه السّلام في دعائه بعد ذكر الآية : " فسمّيت دعاءك عبادة وتركه استكبارا وتوعّدت عليه دخول جهنّم داخرين " ، حتّى ورد : أنّ الدعاء مخّ العبادة . . .
ولا شكّ أنّ مطلق الدعاء والمناداة وطلب الحاجة من غير اللّه لا يكون عبادة ولا ممنوعا منه . . . فقوله تعالى :فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً[ الجنّ : 18 ] لا يراد به مطلق الدعاء قطعا ، بل دعاء خاص ، وهو الدعاء المساوي لدعاء اللّه تعالى باعتقاد أن المدعوّ قادر مختار مساو للّه في ذلك . . .
إذا عرفت ذلك ظهر لك : أنّ من دعا نبيّا واستغاث به فذلك لا يدخل في الدعاء المنهيّ عنه في الآية ؛ لأنّ هذا الدعاء والاستغاثة لا يخرج عن طلبه منه أن يدعو اللّه له أو يشفع له عنده . . . » .
كشف الارتياب : 236 - 237 .
1 الأحقاف : 5 .