ربيعة ، يا شيبة بن ربيعة ، أليس قد وجدتم ما وعد ربّكم حقّا ؟ فإنّي وجدت ما وعدني ربّي حقّا .
فسمع عمر قول النبي صلّى اللّه عليه [ وآله ] وسلّم فقال :
يا رسول اللّه كيف يسمعوا وأنّى يجيبوا وقد جيّفوا ؟ ! قال : والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ، ولكنّهم لا يقدرون أن يجيبوا ، ثمّ أمر بهم فسحبوا فالقوا في قليب بدر » « 1 » .
وروى البخاري أيضا عن أنس بن مالك ، قال : « إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه [ وآله ] وسلّم قال : إنّ العبد إذا وضع في قبره وتولّى عنه أصحابه - وإنّه ليسمع قرع نعالهم - أتاه ملكان فيقعدانه . . . » « 2 » .
والخلاصة : أنّ الروايات - من الطرفين - متظافرة على أنّ الأموات يسمعون كلام الأحياء ويأنسون بهم .
نعم ، سماعهم ليس سماعا حسيّا بآلة السمع ، بل هو سماع برزخي . وتوضيحه يتكفّله علم الكلام « 3 » .
.
لا فرق بين ما يكون المستغاث به قادرا عليه وبين غيره :
فرّق ابن تيميّة وأصحابه بين ما يكون المستغاث فيه مقدورا للمستغاث به وبين ما لا يكون كذلك ، فجوّزوا الاستغاثة في الأوّل دون الثاني ، لكن المعروف عند سائر المسلمين عدم
هامش
( 1 ) رواه البخاري في صحيحه ( 1 : 238 ، كتاب الجنائز ، باب ما جاء في عذاب القبر ) عن عبد اللّه بن عمر ، ورواه مسلم في صحيحه ( 4 : 2203 ، كتاب الجنّة ، باب إثبات عذاب القبر ، الحديث 2874 ) عن أنس بن مالك .
( 2 ) صحيح البخاري 1 : 238 ، كتاب الجنائز ، باب ما جاء في عذاب القبر .
( 3 ) العوالم التي يمرّ بها الإنسان أربعة :
أ - العالم الجنيني .
ب - العالم الدنيوي .
- ج - العالم البرزخي .
د - العالم الأخروي .
فالأوّلان عشناهما ، والآخران أخبرتنا بهما الشريعة . وقد دلّ كثير من الآيات والروايات على العالم البرزخي . فمن جملة الآيات :
1 - قوله تعالى :وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ .البقرة : 154 .
ومثلها الآية 169 من سورة آل عمران .
2 - قوله تعالى :حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ .المؤمنون : 99 - 100 .
3 - قوله تعالى :وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ * النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ .غافر : 45 - 46 .
فإنّ الآخرة ليس فيها غدوّ وعشيّ ، بل إنّما ذلك في البرزخ وقبل يوم القيامة كما هو صريح الآية .
وأمّا السنّة فقد ورد فيها مستفيضا ما يدلّ على الحياة البرزخيّة كما أشرنا إلى بعضها في المتن ، وانظر هذا الموضوع في كتاب الميزان في تفسير القرآن ( للعلّامة الطباطبائي ) 2 : 347 .