قال أبو ولّاد : فخرجنا من عنده وجعل صاحب البغل يسترجع فرحمته ممّا أفتى به أبو حنيفة ، فأعطيته شيئاً وتحلّلت منه .
فحججت تلك السنة ، فأخبرت أبا عبد اللّه عليه السلام بما أفتى به أبو حنيفة ، فقال :
« في مثل هذا القضاء وشبهه تحبس السماء ماءها ، وتمنع الأرض بركتها ! » .
قال أبو ولّاد : فقلت لأبي عبد اللّه عليه السلام : فما ترى أنت ؟
فقال : « أرى له عليك مثل كراء بغلٍ ذاهباً من الكوفة إلى النيل ، ومثل كراء بغلٍ راكباً من النيل إلى بغداد ، ومثل كراء بغلٍ من بغداد إلى الكوفة توفيه إيّاه .
قال : فقلت : جعلت فداك ، قد علفته بدراهم فلي عليه علفه ؟
فقال : لا ، لأنّك غاصب . . . » « 1 » .
والرواية مهمّة جدّاً ، وقد قال عنها الشيخ الأنصاري : « إنّ الصحيحة مشتملة على أحكام كثيرة ، وفوائد خطيرة » « 2 » .
موقف الإمام عليه السلام من الغلاة :
كانت المحنة التي عاناها الإمام عليه السلام من الغلاة ليست بأقلّ ممّا كان يعانيه من أعدائه ، بل كانت تصرفات الغلاة وأقاويلهم مستمسكاً للذين يريدون الوقيعة بالإمام عليه السلام سواء كانت السلطة ، أو علماء البلاط ، أو غيرهم ممّن كان يأخذهم الحسد ؛ فلذلك كان الإمام عليه السلام يتبرّأ من الغلو والغلاة أشدّ البراءة ، لا لأجل ذلك فقط ؛ بل لأنّه كان يرى ذلك لزاماً عليه .
روى الكليني عن بعض أصحاب أبي عبداللّه عليه السلام قال : « خرج إلينا أبو عبد اللّه عليه السلام
هامش
( 1 ) الكافي 5 : 290 ، كتاب المعيشة ، باب الرجل يكتري الدابة فيجاوز بها الحدّ ، الحديث 6 ، وأخرجه عنه الوسائل 19 : 119 ، الباب 17 من أبواب الإجارة ، الحديث الأوّل .
( 2 ) كتاب المكاسب ( للشيخ الأنصاري ) 3 : 245 .