ولكنّ أعداءه عابوه بذلك ، قال عمرو بن العاص لأهل الشام : « إنّه ذو دعابة « 1 » شديدة » فقال عليّ عليه السلام : « عجباً لابن النابغة ! يزعم لأهل الشام أنّ فيَّ دعابة ، وأنّي امرؤٌ تلعابة « 2 » ، اعافس « 3 » وأمارس « 4 » » .
وعمرو بن العاص إنّما أخذها عن عمر بن الخطّاب ؛ لقوله له لمّا عزم على الاستخلاف : « للَّهِ أبوك لولا دعابة فيك ! » .
وقال معاوية لقيس بن سعد : « رحم اللّه أبا حسن ، فلقد كان هشّاً بشّاً ، ذا فكاهة » .
فقال قيس : « نعم ، كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه [ وآله ] يمزح ويبتسم إلى أصحابه ، وأراك تسِرُّ حسواً في ارتغاء « 5 » ، وتعيبه بذلك ؟ ! أما واللّه لقد كان مع تلك الفكاهة والطلاقة أهيب من ذي لبدتين قد مسّه الطوى ؛ تلك هيبة التقوى ، وليس كما يهابك طغام أهل الشام » .
وعلَّق ابن أبي الحديد بعد نقل ذلك كلّه بقوله : « وقد بقي هذا الخُلق متوارثاً متناقلًا في محبّيه وأوليائه إلى الآن ، كما بقي الجفاء والخشونة والوعورة في الجانب الآخر ، ومن له أدنى معرفة بأخلاق الناس وعوائدهم يعرف ذلك » « 6 » .
وأمّا حلمه :
فكان أحلم الناس ، وأصفحهم ، وقد ظهر ذلك في مواقفه خلال حروبه ،
هامش
( 1 ) الدعابة : المزاح . لسان العرب : « دعب » .
( 2 ) التلعابة : صيغة مبالغة من اللعب ، وهنا بمعنى كثرة المزاح . لسان العرب : « لعب » .
( 3 ) المعافسة : معالجة الأمور وممارستها ، ويراد بها المداعبة أيضاً . لسان العرب : « عفس » .
( 4 ) الممارسة : أريد بها هنا ملاعبة النساء . انظر النهاية ( لابن الأثير ) : « مرس » .
( 5 ) في المثل : « يسِرُّ حسواً في ارتغاء » ، يضرب لمن يُظهر أمراً وهو يريد غيره . لسان العرب : « رغا » .
( 6 ) شرح النهج 1 : 25 - 26 .