وأمّا زهده :
« فهو سيّد الزهّاد ، وإليه تشدّ الرحال ، ما شبع من طعام قطّ ، وكان أخشن الناس مأكلًا وملبساً ، قال عبد اللّه بن أبي رافع : " دخلت إليه يوم عيد ، فقدّم جِراباً مختوماً ، فوجدنا فيه خبز شعير يابساً مرضوضاً ، فقدّم فأكل ، فقلت : يا أمير المؤمنين ، فكيف تختمه ؟ قال : خفت هذين الولدين أن يلُتّاه بسمن أو زيت " .
وكان ثوبه مرقوعاً بجلد تارةً وليف أخرى ، ونعلاه من ليف . وكان يلبس الكرباس الغليظ . . . وكان يأتدم إذا ائتدم بخلٍّ أو ملح ، فإن ترقّى عن ذلك فبعض نبات الأرض ، فإن ارتفع عن ذلك فبقليل من ألبان الإبل ، ولا يأكل اللحم إلّاقليلًا ، ويقول :
" لا تجعلوا بطونكم مقابر الحيوان " ، وكان مع ذلك أشدّ الناس قوّة وأعظمهم أيْداً » « 1 » .
وكان عمر بن عبد العزيز يقول : « أزهد الناس في الدنيا عليّ بن أبي طالب » « 2 » .
وكان يؤدّب أصحابه على ذلك ، وعتابه لعثمان بن حنيف على استجابته دعوة بعض الأشراف معروف ، وقد جاء فيه : « ألا وإنّ إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه ، ومن طعمه بقرصيه . . . فواللّه ما كنزت من دنياكم تبراً ، ولا ادّخرت من غنائمها وَفْراً ، ولا أعددت لبالي ثَوبي طِمْراً ، ولا حُزت من أرضها شبراً ، ولا أخذت منها إلّاكقوت أتانٍ دَبِرَة « 3 » . . . » « 4 » .
هامش
( 1 ) شرح النهج 1 : 26 .
( 2 ) أسد الغابة 4 : 24 .
( 3 ) الأتان : الأنثى من الحمير ، والدَبِرة : المصابة بالدَبَرة ، وهي القرحة التي تكون في ظهر الدابة . انظر لسان العرب : « أتن » و « دبر » . وكلامه عليه السلام كناية عن قلّة الأكل ، مثل أكل الدابة الدبرة حيث يقلّ أكلها .
( 4 ) نهج البلاغة : 417 ، قسم الرسائل ، الرسالة 45 .