بما قلناه : مِن أنّ مرادَه به المتكلّم في أصول الدّين ، وهو ضالّ عن الحقّ ؛ ولهذا قال : « إنّه فتنة لمن افتتن به ، ضالّ عن هَدْي مَن كان « 1 » قبله ، مضلّ لمن يجيء بعده » .
وأمّا الرّجل الثّاني فهو المتفقّه في فروع الشّرعيّات وليس بأهل لذلك كفقهاء السّوء . ألا تراه كيف يقول : « جلس بين النّاس قاضياً » ؟ ! وقال أيضاً :
« تَصرُخ من جور قضائه الدِّماء ، وتَعِجّ منه المواريث » ! « 2 »
ومن كلام له عليه السلام : « وآخَر قد تَسَمَّى عالماً وليس به ، فاقتبس جهائلَ من جُهّال ، وأضاليلَ من ضُلّال ، ونصب للنّاس أَشْراكاً من حبال غُرور ، وقول زُور ؛ قد حَمَل الكتاب على آرائه ؛ وعطف الحقّ « 3 » على أهوائه . يُؤمِن النّاس من العظام ، ويُهَوِّن كبير الجرايم ، يقول : أَقِفُ عند الشّبهات ، وفيها وقع ؛ ويقول : أَعْتَزِل البِدَع ، وبينها اضطجع ؛ فالصّورة صورة إنسان ، والقلب قلب حيوان ، لا يَعرِف باب الهُدَى فيَتَّبعه ، ولا باب العمى فيَصُدّ عنه ؛ فذلك « 4 » ميّت الأحياء .
« فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ »
« 5 » ؟ وأنّى تُؤْفَكون ! والأَعْلام قائمة ، والآيات واضحة ، والمَنار منصوبة فأين يُتاه « 6 » بكم ؟ ! بل كيف تَعْمَهون وبينكم عِترة نبيّكم ؟ ! وهم أَزِمَّة الحقّ ، [ وأَعْلام الدّين ] ، وأَلْسِنة الصّدق ! فأَنْزِلوهم بأَحْسَن منازل القرآن ، وَرِدُوهم
هامش
( 1 ) . المصدر : - كان .
( 2 ) - شرح نهج البلاغة 1 / 286 .
( 3 ) - عطف الحقّ : حمل الحقّ على رغباته ، اي : لا يعرف حقّاً إلّا إيّاها .
( 4 ) - المصدر : وذلك .
( 5 ) - التّكوير / 26 .
( 6 ) - تاه تَيْهاً وتَيَهاناً : ذهب متحيّراً ؛ ضلَّ ؛ يُتاه بكم : من التّيه بمعنى الضّلال والحيرة .