رَضِيَه أو كَرِهَه إلّا وجَعَل له عَلَماً بادياً ، وآيةً محكمة ، تَزْجُر عنه ، أو تَدعو إليه ، فرِضاه فيما بقي واحد ، وسَخَطُه فيما بقي واحد . واعلموا أنّه لن يرضى عنكم بشيء سَخِطَه على من كان قبلكم ، ولن يَسخط عليكم بشيء رضيه ممّن كان قبلكم ، وإنمّا تَسيرون في أثر بَيِّن ، وتَتكلَّمون برَجْعِ قولٍ قد قاله الرّجال من قبلكم » . « 1 »
قال ابن أبي الحديد في شرح هذا الكلام : « قوله : « فرضاه فيما بقي واحد » معناه أنّ ما لم ينصّ عليه صريحاً ، بل هو في محلّ النّظر ، ليس يجوز للعلماء أن يجتهدوا فيه فيحلّه بعضهم ويحرّمه بعضهم ، بل رضا اللَّه سبحانه أمر واحد وكذلك سخطه ، فليس يجوز أن يكون شيء من الأشياء يَفتي فيه قوم بالحلّ وقوم بالحرمة ؛ وهذا قول منه عليه السلام بتحريم الاجتهاد ، وقد سبق منه عليه السلام مثل هذا الكلام مراراً .
[ و ] قوله عليه السلام : « واعلموا أنّه ليس يرضى عنكم . . . . » الكلام إلى منتهاه ، معناه أنّه ليس يرضى عنكم بالاختلاف في الفتاوَى والأحكام كما اختلف الأمم مِن قبلكم فسَخِط اختلافَهم . « 2 » قال سبحانه :
« الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ » .
« 3 »
وكذلك ليس يسخط عليكم بالاتّفاق « 4 » الّذي رضيه ممّن كان قبلكم من القرون » . « 5 » انتهى كلامه .
هامش
( 1 ) - نهج البلاغة / 83 ، الخطبة : 183 .
( 2 ) - سَخِطَ سَخَطاً الرّجل وعليه : غضب عليه ؛ وسَخِط الشّيءَ : كرهه .
( 3 ) - الأنعام / 159 .
( 4 ) - المصدر : + والاجتماع .
( 5 ) - شرح نهج البلاغة 10 / 118 .