وإن حسب أنّها كانت في أوائل عمره أتمّ نضارة ، وأوفر غضارة ، فمنشأهذا الحسبان أنّ المرء إذا جاوز مقام التّمييز « 1 » والتّبيين ، وفرّق بين الغثّ والسّمين ، أخذ إلى الشّيب في التّقارب ، وحصل له العبر والتّجارب ، فإنّه يظنّ أنّ الزّمان قد تغيّر وفسد ، وسوق الدّهر قد خرب وكسد ، ومزاجهما قد انحرف عن الاعتدال ، وسعادتهما ضغث إلى شقاوت ووبال ؛ فجعل بذمّ الزّمان ، ويقع في الإخوان ، وإنّما التّغيّر فيه وفي سيرته ، من جهة عمارة سريرته ، وانفتاح بصيرته ؛ فليتعوّذ
« بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ إِلهِ النَّاسِ مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ »
. « 2 »
تقويم مَن تقيّد بعلم النّجوم
ومنهم : مَن تقيّد بعلم النّجوم ، حتّى اتّخذ ذلك منهجاً قويماً ، فلا يزال يحمل معه تقويماً . فربّما يقدّم ما ينبغي تأخيره ، أو يؤخّر ما يليق تقديمه ؛ وربّما يترك أمره سدى ، يصير فيه حيران ليس له هدى .
يا مومناً بالتّربيع والتّسديس ! ويا معرضاً عن التّسبيح والتّقديس ! إنّ في الدين القويم لشغلًا عن الزّيج والتّقويم ؛ وإنّ امرىءً جهل حال قومه وما الّذي يجري عليه في يومه ، كيف يعرف حال الغد وبعده ؟ ! ونحس الفلك وسعده ؟ !
وممّا يقال - ونحن نرى - : إنّ الفال على ما جرى ، فتفأل بالخير في إيّامك
هامش
( 1 ) - ق : التّميّز .
( 2 ) - النّاس / 4 - 1 .