وكانت ( المصّيصة ) مدينتين ، إحداهما تسمّى ( المصّيصة ) والأخرى تسمّى ( كفربيّا ) ، على جانبي جيحان ، وبينهما قنطرة حجارة ، وكانتا حصينتين جدّا على شرف من الأرض ، ينظر منها الجالس في مسجد جامعها نحو البحر أربعة فراسخ كالبقعة بين يديه خضرة نضرة ، جليلة الأهل نفيسة القدر ، كثيرة الأسواق ، حسنة الأحوال .
و ( جيحان ) نهر يخرج من بلد الروم حتّى ينتهي إلى المصّيصة ، ثمّ إلى رستاق ، يعرف بالملّون ، فيقع في بحر الروم ، وكان كثير الضياع غزير الكراع .
وكانت ( أذنة ) مدينة كأحد جانبي المصّيصة على نهر ( سيحان ) في غربي النهر ، وسيحان دون جيحان في الكبر ، عليه قنطرة عجيبة البناء طويلة جدّا . ويخرج هذا النهر من بلد الروم أيضا .
وكانت أذنة جليلة الأهل حسنة المحل في كلّ أصل وفصل ، وعلى أصل طريق طرسوس .
و ( طرسوس ) مدينة مشهورة كبيرة ، عليها سوران من حجارة ، كانت تشتمل على خيل ورجال وعدّة وعتاد وكراع . وكانت من العمارة والخصب بالغاية إلى رخص عامّ على مرّ الأيّام وتعاقب الأعوام . وكان بينها وبين حدّ الروم جبال متشعّبة من اللّكام كالحاجز بين العملين ، ورأيت غير عاقل مميّز وسيّد حصيف مبرّز يشار إليه بالدراية والفهم واليقظة والعلم ، يذكر أن بها مائة ألف فارس ، وكان ذلك عن قريب عهد من الأيّام التي أدركتها وشاهدتها ، وكان السبب في ذلك أنه ليس من مدينة عظيمة من حدّ سجستان وكرمان وفارس وخوزستان والجبال وطبرستان والجزيرة وأذربيجان والعراق والحجاز واليمن والشامات ومصر والمغرب ، إلّا وبها لأهلها دار ينزلها غزاة تلك البلدة ويرابطون بها إذا وردوها ، وتكثر لديهم الصلات وترد عليهم الأموال والصدقات العظيمة الجسيمة إلى ما كان السلاطين يتكلفونه وأرباب النعم يعانونه وينفذونه متطوعين متبرعين ، ولم يكن في ناحية ذكرتها رئيس ولا نفيس إلّا وله عليه وقف من ضيعة ذات مزارع وغلّات أو مسقّف من فنادق ، فهلكوا فكأنهم لم يقطنوها ، وعفوا فكأنهم لم يسكنوها حتّى لظننتم كما قال اللّه تعالى :
هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً .