التي لا تستقر على حال . كل هذا قد تحكم في الخيال الشعرى وفي الشعر العربي . فتغنى الأندلسيون بطبيعتهم وجمال بلادهم ، ولم يستطيعوا أن يحصروا شعورهم في تلك القيود الشعرية التقليدية التي نقلوها عن المشرق ، بل انطلقوا يعبرون عن إحساسهم ومشاعرهم بلغة حرة . فتخلصوا من هذه القيود في قصائد لم يلتزم وزنا ولا قافية ولم تلتزم نظاما معيّنا في القصيدة . وقد أطلق على هذا النوع من الشعر اسم « الموشحات » .
وكان أول من برع في هذا النوع « مقدم ( بضم الميم وفتح القاف والدال مع التشديد ) القبرى » من شعراء الأمير عبد اللّه بن محمد المرواني . وقد عاش مقدم هذا في صدر الدولة الأموية بالأندلس ، ثم أخذ عنه ذلك ابن عبد ربه صاحب كتاب العقد الفريد . وكان أول من ظهر في هذا الميدان بعدهما عبادة القزّار شاعر المعتصم بن صمادح صاحب المرية . وقد ذكر الأعلم البطليوسى أنه سمع أبا بكر بن زهر يقول : كل الوشاحين عيال على عبادة القزار فيما وجد له من قوله :
بدر تمّ « 1 » شمس ضحى * غصن نقى مشك شمّ
ما أتمّ « 2 » ما أوضحا * ما أورقا « 3 » ما أنمّ « 4 »
لا جرم « 5 » من لمحا « 6 » * قد عشقا قد حرم
ثم جاء فريق الموشحين في عصر المرابطين ، فنهضوا بالموشحات نهضة مباركة . وعلى رأس هؤلاء الموشحين الأعمى التطيلى ، ثم يحيى بن بقىّ . ومن موشحات التطيلى قوله .
كيف السبيل إلى * صبري وفي المعالم أشجان
هامش
( 1 ) يقصد البدر قد بلغ التمام في ليلة الرابع عشر من الشهر الهجري .
( 2 ) يعنى أن محبوبته قد بلغت الكمال .
( 3 ) يشبه محبوبته هنا في الرونق بالشجرة المورقة .
( 4 ) من النمو .
( 5 ) لا شك .
( 6 ) يلاحظ أن الألف للاطلاق لوزن الشعر ومثلها عشقا .