وإن استخلاص الباطن من الظاهر هو ما يطلق عليه نظرية المثل والممثول « 1 » وهو تفسير الباطن من الظاهر ، أي تفسير الأمور العقلية غير المحسوسة بما يقابلها ويماثلها من الأمور الجسمية المحسوسة . وهذا الاسم مستمد من أقوال الفاطميين : « إن اللّه جعل لهم مثلا دالا على ممثوله فعرفوا الممثول بمثله ، إذ يقول اللّه سبحانه وتعالى :
وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ )
« 2 » . فأخفى اللّه سبحانه الممثول « 3 » وستره وجعل مثله طريقا إلى معرفته اختيارا لعباده وامتحانا لهم ، قال المؤيد :
والذي قال في الكتاب تعالى * مثل ذاك تحته ممثول
أقصد : حما ممثوله دون المثل * ذا أبر النحل وهذا كالعسل « 4 »
كما رد المؤيد على الفرق المختلفة في تفسير رؤية الرحمن ، ورد على الفرق التي أثبتت رؤية الرحمن أو أنكرتها ، فأثبتت أن الرؤية تنقسم قسمين : أحدهما محسوس والآخر معقول وهو رؤية العقل . فالبصر لا يتعدى المبصرات الجسيمة والعقل لا يدرك إلا المدركات العقلية ، والرؤية إما رؤية حسن أو رؤية عقل . قال المؤيد :
فالعقل للمرء أداة كالبصر * ذا : باطن فيه وهذا قد ظهر
كلاهما يدرك بالمجانسه * مقالة صحّت بلا ممارسه
وليس من جنس العقول اللّه * يا قوم : كي تدركه حاشاه « 5 »
كما تعالى أن يكون كالصور * مجسما كيما يلاقيه البصر
فكأن المؤيد قد رفض أقوال المثبتين لرؤية اللّه تعالى بالأبصار ، كما رفض أقوال المثبتين لرؤية اللّه تعالى بالعقول ، وخالف بذلك أهل السنة الذين أثبتوا الصفات وخالفوا المعتزلة الذين رفضوا الصفات . يدل على ذلك قوله :
فالفرقتان اجتمعا مشبّهة * خبّاطة عشواء جهل وعمه « 6 »
هامش
( 1 ) الظاهر والباطن يقابلهما المثل والممثول . فالمثل : الظاهر ، والمسؤول : الباطن . ولكل مثل ممثول كما أن لكل ظاهر باطنا . واللّه يضرب الأمثال للناس ، أما بواطن هذه الأمثال أو ممثلوها فلا يعلمه إلا الأئمة وحدهم ، لأنهم أصحاب علم الباطن .
( 2 ) سورة الزمر . 39 : 27 .
( 3 ) يقصدون به اللّه سبحانه وتعالى ، والمثل يقصدون به الشبه والنظير .
( 4 ) ديوان المؤيد ص 107 .
( 5 ) يعنى أن اللّه يرتفع عن أن تدركه العقول البشرية .
( 6 ) ديوان المؤيد ص 111 .