وفي عهد الوليد الثاني كلف الناس بالموسيقى والغناء ، وكانوا يسرفون في ذلك كل الإسراف ، وينفقون ببذح على المغنين المشهورين والموسيقيين الذين كان الخليفة يدعوهم إلى دمشق من أقاصي البلاد . وليس أدل على كلف الأمويين بالمغنين والإنفاق عليهم عن سعة مما ذكره الطبري إذ قال : « حج يزيد بن عبد الملك في خلافة سليمان بن عبد الملك . فاشترى حبابة - وكان اسمها العالية - بأربعة آلاف دينار ، فقال سليمان : هممت أن أحجر على يزيد ، فرد يزيد حبابة فاشتراها رجل من أهل مصر . فلما ولى يزيد الخلافة قالت
زوجته سعدة : يا أمير المؤمنين ! هل بقي من الدنيا شئ تتمناه بعد ؟
قال : نعم حبابة . فأرسلت سعدة رجلا فاشتراها بأربعة آلاف دينار ، فأراحتها حتى ذهب عنها كلال السفر ؛ ثم أنت بها يزيد ، فأجلستها من وراء الستر وقالت : يا أمير المؤمنين ! أبقى شئ من الدنيا تتمناه ؟ قال :
ألم تسألينى عن هذا مرة فأعلمتك ؟ فرفعت الستر ، وقالت : هذه حبابة ، فحظيت سعدة عند يزيد وأكرمها وحباها . وقد أثر تدفق طبقات المغنين المحترفين على دمشق في أخلاق الناس ، وفي حياة المجتمع حتى دب النزف في الدولة .
ومن أشهر المغنين في هذا العصر « طويس » مولى بنى مخزوم ، وكان لا يضرب بالعود ، وإنما كان ينقر بالدف ، عالما بأنساب أهل المدينة .
وهو أول من غنى بالمدينة غناء يدخل في الإيقاع ، وهو بناء ألحان الغناء على موقعها وميزانها .
وكان أهل المدينة يؤثرون غناء طويس على كل غناء ، وقد سمعهم ذات مرة وهم يشيدون بغنائه ، فاستخرج دفا ثم نقر به وغناهم بشعر عمارة بن الوليد المخزومي في خولة بنت ثابت عارضها بقصيدته فيها :
يا خليلي نابنى سهدى * لم تنم عيني ولم تكد
وهو :
تناهى فيكم وجدى * وصدّع حبكم كبدي
فقلبي مصعر حزنا * بذات الخال في الخدّ
فما لاقى أخو عشق * عشير العشر من جهد