فأقبل عليه ابن سريج : فقال واللّه هذا أحسن الناس غناء ( الأغانى :
ج 2 ص 35 ) .
وكان طويس كثيرا ما يتغنى بالشعر الذي قيل في الحروب التي وقعت بين الأوس والخزرج قبل هجرة الرسول إلى المدينة ، فيثير ما كان بينهما من عداء وتسيل بسبب ذلك الدماء ( الأغانى ج 3 ص 39 ) .
وممن اشتهر بالغناء في العصر الأموي أبو مروان الغريض ، وقد لقب بذلك لأنه كان طري الوجه نضرا غض الشباب حسن المنظر . وكان من مولدي البربر ومن رجال الأدب ، إلا أن الغناء غلب عليه بما وضعه من الألحان . وقد أخذ الغناء عن ابن سريج الذي أضمر له الحسد لما آنسه فيه من مخايل النبوغ وطرده . وعده جرير رابع أربعة اشتهروا في الغناء فقال :
و « كان المغنون بمكة أربعة : فسيد ميزر ، وتابع مسدد . . . كان السيد أبو يحيى ابن سريج والتابع أبو يزيد الغريض ، وكان هناك رجل عالم بالصناعة فقال :
كان الغريض ! أحذق أهل زمانه بمكة بالغناء بعد ابن سريج . وما زال أصحابنا لا يفرقون بينهما لمقاربتهما بالغناء » .
وقد أبدع الغريض في الغناء حتى توهم الناس أنه يتلقى غناءه عن الجن .
وكان يعترض الحاج فيصغون إليه ، خرج مرة ووقف في مكان لا يرى فيه ، فغنى في شعر عمر بن أبي ربيعة .
أيها الرائح المجد ابتكارا * قد قضى من تهامة الأوطارا
فملك الطرب قلوب السامعين وقالوا : طائفة من الجن حجاج « 1 » .
وكان للقيان أثر ملحوظ في تقدم الغناء في العصر الأموي . روى المسعودي « 2 » أن فتى من بنى أمية كان يختلف إلى قينة لبعض القرشيين ، وكانت تحبه ، ولم تكن محبة القوم إذ ذاك لريبة ولا فاحشة ، فقال لها الفتى وقد أراد أن يعرف مبلغ ميلها إليه : أتحسنين أن تقولي :
أحبكم حبا بكل جوارحي * فهل عندكم علم بما لكم عندي
أتجزون بالود المضاعف مثله * فإن كريما من جزى الودبالود ؟
هامش
( 1 ) الأغانى ج 3 ص 362 - 375 .
( 2 ) مروج الذهب ج 2 ص 171 .