وهكذا استطاع الشيزري ان يجمع بين التقاليد السياسية الموروثة الممثلة بالإرث الفارسي الساساني والحضارة الهلينستية ، وبين النظرية السياسية الاسلامية الممثلة بعلماء الكلام ومدرسة الفقهاء ، مراعيا بذلك واقع العصر الذي عاش فيه وظروف المرحلة الخطيرة التي مرت بها دولة الاسلام حيث استأثر الفرنجة بحكم المنطقة الاسلامية وسيطروا على اجزاء كبيرة من بلاد الشرق وباتوا يهددون دولة الخلافة الاسلامية . وسط تلك الظروف وتحت تأثير الواقع والمعطيات الجديدة تبلورت مفاهيم عبد الرحمن بن عبد اللّه فنسج مفاهيمه وأفكاره السياسية وفق النهج المتبع والمألوف في تلك الحقبة التاريخية ليكون جزءا من الكتب الأخلاقية والسياسية ونموذجا من كتب مرايا الامراء .
وتظهر أهمية الشيزري باحداث نقلة نوعية أثناء معالجاته لقضايا العدل والاخلاق وآداب السلوك ، فهو يرتد إلى آفاق الماوردي ليحيي النظرية الكلاسيكية السياسية ، ويبعث القيم والتقاليد التي كانت سائدة قبل مجيء الأتراك ، ذلك عبر تغير في البنى السياسية والاجتماعية على أساس ربط محكم بين السياسة والشريعة .
وفي الحقيقة انه إذا كان الشيزري لم يوفق في احياء الدولة ومؤسساتها على أسس شرعية ، فإنه استطاع ان يجمع بين أكثر من تيار ويوحد بين نتاجات فكرية متعارضة ، هي في الواقع وليدة الفوضى السياسة واختلاط الحضارات ؛ ففي مناقشة قضية السلطة السياسية والحكم أو الوزارة لم يرق إلى المستوى الذي بلغه الماوردي والغزالي ، واستطاع تلمس الحقائق وكاد ينفذ إلى العمق لولا ظروف العصر وغلبة النزعة التطبيقية في الفلسفة الاسلامية ؛ فقد كان شائعا خلال تلك الحقبة في أوساط الفلاسفة ذلك اللون الأدبي المسمى مرايا الامراء ، لاعتباره الأداة الفريدة لصلاح الملك والدولة ، والسبيل الوحيد لاستمرار السلطة بيد الحاكم ، وخضوع الرعية له على أساس من القيم والتقاليد الموروثة .
النهج المسلوك في سياسه الملوك — صفحة 45
مساهمون: عبد الرحمن بن نصر الشيزري
ص٤٥