ولعل أهم ما يمتاز به العصر الذي عاش فيه موسى هو ما حدث من المقارنة غير المناسبة بين علوم اليونان والفرس وثقافتهم وبين بساطة الحياة العربية القبلية وجهلهم النسبي ، فان العرب على ما هم عليه قد انحطت سمعتهم بالمعاملة الشديدة للأمويين ، ولم يعد من يعترف لهم بالتفوق القومي أو القبلي ، بل إن الحالة كانت على عكس ذلك فقد ظهرت حركة الشعوبية وقد أخذت اسمها من الآية ( 13 ) من سورة الحجرات من القرآن ، وهي تؤيد تفوق الشعوب على العرب على أساس « إن أكرمكم عند اللّه أتقاكم » . وكان الشعوبيون يقولون : ان الفرس أو الروم أفضل من العرب من كل وجهة فلم التفوق عليهم بالعلم والفن ، حتى وفيم يدعى العرب انه خاص بهم كعلم الانساب والعلم بالصحراء « 1 » .
وكان هذا النفوذ المتزايد للفرس والروم مع احتقاره الجرىء للعرب ، قد أدى إلى إظهار تعاليم الزنادقة من قبل أناس كان يخفون وراء ستار الاسلام أفكارهم الدينية الفارسية القديمة . وكانوا في بعض الأحيان لا يجدون داعيا للتخفى فينشرون آراءهم المانوية وغيرها مما هو ضد الفكرة الاسلامية . وكان هؤلاء الناس يعرفون بالزنادقة « 2 » . وقد شدد الخليفة المهدى والهادي وهارون الرشيد النكير على هؤلاء الناس . وفي الوقت الذي ازداد فيه النفوذ الفارسي كان العلويون ، الذين شعروا بأن الفرع العباسي الآخر من الدوحة الهاشمية قد غدر بهم ، أخذوا يعملون على خلق الاضطرابات في مختلف أقسام المملكة .
وكان الإمام موسى يعرف أن كل خليفة ينظر اليه بعين الحذر ويراقبه لعله يجد فيه ما يدل على عدم إخلاصه ، وربما كان يعلم ما سينتهى اليه مصيره
هامش
( 1 )The Caliphate Rise , Deeline a Fall . MUIR1915 ( ص 475 )
( 2 ) نيكلسنLeterary History of the Arabs( ص 372 )