تمهيد :
تبيّن لنا في الفصل السابق ، أن العائلة والعشيرة لعبت دورا بارزا في المرحلة التي امتدت منذ قبيل انهيار الدولة العثمانية وحتى منتصف القرن العشرين . فقبل تلك المرحلة لم تكن الحركات الحزبية قد نشأت بالمعنى الحديث ، فكان من الطبيعي أن تسود التشكيلات التقليدية الحياة السياسية والاجتماعية .
مع بروز الحركات الحزبية بعد الثلاثينات ثم توسعها في المرحلة التي أعقبت الاستقلال ، وحيث كانت قد ضمّت أفرادا من الوحدات القرابية ودخلت الحياة السياسية ، وسجّلت حضورا لافتا في بعض المحطات السياسية ، لكنها لم تستطع أن تشكل بديلا للوحدات القرابية التي كان لها الحضور الأبرز فيها .
فمواقع الزعامة القرابية كانت قد حسمت خياراتها في تبنّي صيغة النظام الذي استحدثه الفرنسيون ، والذي قام على أساس الميثاق الوطني لاحقا ، في حين كانت الحركات الحزبية قد سجّلت اعتراضا على النظام ، وقامت بتحّدي السلطة ( الحزب السوري القومي ) ، وشاركت في أحداث عام 1958 وتناغمت مواقفها مع مواقف الوحدات القرابية خلال الثورة دون أن تشكل دورا رائدا في هذا المجال .
مع بروز الحرب الأهلية شهدت الحركات الحزبية حالة ازدهار فسجلت حضورا في السنوات الأولى من الحرب ، بعد ما غابت الزعامة التقليدية القرابية عن مسرح الأحداث ليعقبها بروز الطائفة ، فساهم ذلك في ضمور حالة الازدهار الحزبي .
وإذا كنا قد عرضنا لحركة الصعود والهبوط بين هذه الدوائر انطلاقا من تفاعلها مع المنعطفات السياسية ومجريات الأحداث ، فثمّة مجال لرصد أشكال العمل السياسي في ميدان آخر ، وبالتحديد حول مقاعد البرلمان الذي سيشكل إطارا للتنافس بين هذه الدوائر .
وحيث التحالفات ستشكّل أساس العملية التنافسية ، لكونها تتطلب مد الجسور بين مختلف المواقع المتنافسة ، وتعتمد على توحد العائلة أو العشيرة حول نفسها بدرجة أساسية ، لأن توزعها وتشتته يفسح المجال أمام خصومها ويضعف قدرتها على إقامة تحالفات مبنية على المتانة والقوة ، ويؤدي إلى تضاؤل إمكانية مد الجسور التحالفية مع غيرها من الوحدات القرابية الساعية بدورها إلي البحث عن مواقع القوة ، المتجسدة في العائلة أو العشيرة الأكثر انسجاما في توحدها