سجنهم ، شربوا كأس اليأس ، وأبدلوا إيناس الناس بإيحاش الحاشية . ومشى شحنة طوس لاستياق ما لهم من الماشية ، واستلان خشونتهم ، واستسهل صعوبتهم ، ولما ظن أنه آب بالغنم والغنيمة ، وباء بعز العزيمة ، ركبوا إليه صهوات الحنق ، وصرفوا نحوه أعنة الخبب والعنق . حتى لقوه فتركوه لقى ، وتبعوا المنهزمين ودخلوا إلى طوس فملكوها ، وجاسوا خلال ديارها وسلكوها ، وتشاوروا فيما بينهم وقالوا : هذا بحر خضناه ، وفتح ابتكرناه ، وطوس مدينتنا التي تؤوينا ، وحصننا الذي يحمينا ، فلا نفرج عنها ، ولا نخرج منها .
وشرع أبو سهل الحمدوني في استدراك ما فرط ، واستمساك ما اختبط . وكادوا يجيبونه بالجمل ويحملون في الجواب ، ويميلون بممالأته إلى صوب الصواب . فتسرع شحنة نيسابور وتعسّر ، وجنّد وعسكر . وشن على سرحهم غارة على غرة ، ونهض لمنفعة نهضت بمضرة . فركبت السلجقية إليه وإلى جماعته أرسالا ، ونشبوا معهم وشبوا قتالا ، وهزموهم وكسروهم وقتلوهم وأسروهم . وامتدوا إلى نيسابور فدخلوها ، ووجدوا في خلوها فرصة فاهتبلوها . وذلك في شهر رمضان سنة 429 ه . وعزموا على مد اليد ، ونهب البلد . فمنعهم طغرلبك محمد بن ميكائيل بن سلجق وهو أميرهم وكبيرهم ، وقال لهم نحن في شهر حرام نهتك حرمته ، ولا نهتك عصمته ، ولا يحصل من النهب أرب ، وإنما تسوء به السمعة ويشيع الشنعة . فنفرت جماعته من مقاله وسخّفوا رأيه في تبين حرام الفعل وحلاله . فما زال بهم طغرلبك يقول لهم : أمهلوا بقية هذا الشهر ، واعملوا ما شئتم بعد الفطر . وفي أثناء ذلك وصل إليهم كتاب القائم بأمر اللّه أمير المؤمنين ، يخوفهم ويذكرهم باللّه ، ويحملهم على رعاية عباده وعمارة بلاده ، فخلعوا على الرسول المعروف بأبي بكر الطوسي ثلاث عشرة خلعة . وتباهوا برسالة الخليفة وازدادوا بها قوة ورفعة .
ولما كان يوم العيد اجتمعوا من القريب والبعيد وهمّوا بالنهب ، فركب طغرلبك لمنعهم ، وجد في ردعهم . وقال : الآن وقد جاء كتاب الخليفة المفترض الطاعة على الخليفة . وقد خصنا من توليته إيانا بالحق والحقيقة . فلحّ عليه أخوه جغري بك داود وأخرج سكينه وقال : إن تركتني وإلا قتلت نفسي بيدي . فرق له وسكنه ، وأراه أنه مكنه ، وأرضاه بمبلغ أربعين ألف دينار قسطه ، ووزن أهل البلد معظمه ، وأدى هو من
تاريخ دولة آل سلجوق — صفحة 185
مساهمون: عماد الدين الكاتب الأصبهاني
ص١٨٥