مناقشة مذاهب الفقهاء في المسألة :
اتفق الفقهاء من جميع الفرق والمذاهب الإسلامية على وجوب استقبال القبلة في الصلاة مع القدرة لنص الآية في ذلك . واتفقوا على أن من اشتبهت عليه القبلة لغيم أو غيره يجتهد في بيان جهتها ، ويصلي إلى ما أداه إليه اجتهاده ، واختلفوا فيمن لم يؤده اجتهاده إلى جهة ، فقال الإمامية في المشهور من مذهبهم : يصلي إلى الجهات الأربعة لأن الواجب في حقه ، وهو استقبال القبلة لا يتحقق إلا بذلك .
يقول الشهيد الثاني من فقهاء الإمامية في ( الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية ) : ولو فقد الأمارات الدالة على الجهة قلّد العدل العارف بها ، رجلا كان أم امرأة ، حرا أم عبدا . ولا فرق بين فقدها لمانع من رؤيتها كغيم ، ورؤيته كعمى وجهل بها ، فلو فقد التقليد صلى إلى أربعة جهات متقاطعة على زوايا قوائم مع الإمكان ، فإن عجز اكتفى بالممكن ، والحكم بالأربع حينئذ مشهور ، ومستنده ضعيف ، واعتباره حسن .
وذهب السيد رضيّ الدين بن طاوس هنا إلى العمل بالقرعة استضعافا لسند الأربع مع ورود القرعة لكل أمر مشتبه ، وهذا منه ، وهو أمر نادر « 1 » .
وقال المالكية ، والشافعية ، والحنابلة : يصلي إلى أي جهة شاء ، ولا إعادة عليه ، إلا إذا علم القبلة قبل خروج الوقت « 2 » .
ورويت عن الحنفية أقوال مختلفة في حكم هذه المسألة ، ورجح شيخ الحنفية ابن عابدين مذهب الجمهور ، فقال في حاشيته :
جاء في ( البحر ) ، و ( الحلية ) وغيرهما عن فتاوى ( العتابيّ ) : من تحرّ فلم يقع تحرّيه على شيء ، قيل : يؤخر .
هامش
( 1 ) - ( الروضة البهية ) للشهيد الثاني ، 1 / 88 ، انظر : ( تحرير الوسيلة ) للخميني ، 1 / 130 .
( 2 ) - ( المعونة ) للقاضي عبد الوهاب البغدادي ، و ( كفاية الأخيار ) للحصني الدمشقي 1 / 96 ، و ( المغني ) لابن قدامة 1 / 466 .