وكلهم متفقون على أنّ اللّه تعالى أنزل الإسلام لتحقيق سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة ، وشرع في سبيل ذلك أحكاما تحقق هذه المقاصد قال تعالى :
يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ ( 15 ) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
[ سورة المائدة : 5 / 16 ، 15 ] .
وهكذا كان ينبغي على المسلمين أن يبنوا صرح وحدتهم العملية على هذه الأسس النظرية ، فيجمعوا همهم وهمتهم لتحقيق الأهداف الكبرى ، ومواجهة التحديات الكبرى التي تواجه الأمة ، وتهدف إلى إفنائها ، وطمس معالمها ، والقضاء على رسالتها .
وإن من الخيانة لأمتنا اليوم أن نغرقها في بحر من الجدل ، حول مسائل في فروع الفقه ، أو على هامش العقيدة في حين ننسى مشكلات الأمة ومآسيها ومصائبها التي تزداد وتتجدد يوما بعد يوم ، وكان الأحرى بنا أن نبحث لها عن شاطئ أمان ، ومنهاج متكامل للإصلاح والنهضة .
ولقد كان سلفنا الصالح رضي اللّه عنهم أكثر إدراكا لأولويات الأمور ، وترتيبها في الأهمية ، وأكثر بعدا عن الخوض فيما لا جدوى منه ، وهذا ما جرى مع الصحابي الجليل عبد اللّه ابن عمر رضي اللّه عنهما حينما جاءه ناس من أهل العراق يسألونه عن حكم دم البعوض إذا أصاب الثوب ، أو قتله المسلم في حالة الإحرام ، فقال رضي الله عنه :
هؤلاء يسألون عن دم البعوض وقد قتلوا ابن رسول اللّه ؟ ! وقد قال صلى اللّه عليه وآله وسلّم : « هما ريحانتاي من الدنيا » « 1 » .
هامش
( 1 ) - الحديث أخرجه الإمام البخاري في صحيحه في [ كتاب المناقب ] ، الحديث رقم ( 3470 ) . قال الحافظ ابن حجر في تعليقه على قول ابن عمر : أورد ابن عمر هذا القول متعجبا من حرص أهل العراق على السؤال عن الشيء اليسير والتفريط في الشيء الجليل . انظر : ( فتح الباري ) لابن حجر العسقلاني 7 / 99 .