أفضل المسوس ، فكلما كان المسوس أفضل ، كان السائس له أفضل .
وقد أوضحنا في الفصل الذي قبل هذا الفصل ، فضل البشر على سائر مواليد العالم ، ولم نجد أحدا دبر سياسة البشر سياسية عامة غير الرسل ، فعلم أنهم أفضل الخلائق في هذا العالم الجسماني ، وان شككت في هذا فانظر إلى فضل سياساتهم على سياسة الملوك ، فان سياساتهم لا تشبه سياسة الملوك لان سياسة الملوك ليست على حالة واحدة ونظم واحد ، بل لهم في كل طبقة من الناس سياسة ، ورسم لا تشبه سياسة الطبقة الأخرى ، وامّا سياسة الرسل فإنها سياسة واحدة ، ورسم واحد لجميع الناس سواء الوضيع والشريف فيها . فان قال قائل : وما في هذا من الشرف على سياسة الملوك ، بل سياسة الملوك اشرف من سياسة الرسل ، لاختلاف سياسة الملوك لطبقات الناس على سائر مراتبهم ، وعمومية سياسة الرسل لجميع الناس عموما واحدا قلنا له : انما اختلفت سياسة الملوك لنقصان تدابيرهم ، واتفقت سياسة الرسل لكمالهم ، وتمامية قوتهم المتصلة بهم من العالم الروحاني ، وانما مثل سياسة الرسل ، كمثل الجلّاب ، المتخذ بالسكر الطبرزي ، وماء الورد والفائق يصلح لجميع المرضى ، ويدفع ضرر أمراضهم لاعتداله . ومثل سياسة الملوك كمثل بعض الأدوية التي تصلح لبعض الأمراض دون بعض ، فإذا حدث مرض آخر مضاد لهذا المرض احتاج إلى غيره من الدواء ، فقد بان ان الذي يسوس الناس سياسة واحدة هو أفضل من الذي يسوسهم سياسات مختلفة ، ولا خلاف ان الفاضل من كل نوع انما يظهر في زمان طويل ، والذي دون الفاضل لا يخلو منه زمان ، والمثل في ذلك أنه قد يوجد في كل وقت في الأصداف اللؤلؤ الصغار ، والوسط منها ، ولا توجد اللؤلؤة الصافية المدحرجة الّا في زمان طويل ، وكذلك الياقوت الصافي ، وجميع
الشيعة في شمال افريقيا — صفحة 463
مساهمون: جاسم عثمان مرغي
ص٤٦٣