وقد أكد المفسرون نسبة الوحي إلى الإنس صادرين في ذلك عن دلالة ظاهر الآية ، ففي تفسيره لقوله تعالى :
وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ . .
[ الأنعام : 121 ] .
يرى الطبري أن الشياطين المقصودين في الآية . . جائز أن يكونوا شياطين الإنس يوحون إلى أوليائهم « 1 » .
وقد روي عن عكرمة أن المراد بالشياطين في هذه الآية ( مردة الكفار من مجوس فارس ) « 2 » .
وقال آخرون : بل المراد بالآية اليهود ، إذ جادلوا رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم ( بأنّ ما قتله اللَّه أولى بالأكل مما قتله الناس ) « 3 » .
والوحي المنسوب إلى شياطين الإنس بعضهم إلى بعض ينطبع بطابع الإسرار ، قال أبو عبيدة في الآية :
شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ . .
إن هذا الوحي وحي إسرار « 4 » .
أما الزبيدي فقد استدلّ بالآية على أن الإيحاء أصله أن يسرّ بعضهم إلى بعض « 5 » .
ومن المفسرين من ينفي الإلقاء في خفاء عن وحي شياطين الإنس .
فعن مالك بن دينار أنه قال : ( شيطان الإنس أشد عليّ من شيطان الجن وذلك إني إذا تعوذت ذهب عنّي شيطان الجن ، وشيطان الإنس يجيئني فيجرني إلى المعاصي عيانا ) « 6 » .
وهذا ما استفاده الشيخ الطبرسي في تفسيره الآية ، فإن كان شيطان الجن يوسوس في خفاء ، وهو لا يرى فإن شيطان الإنس ( يأتي علانية ويري أنه ينصح وقصده الشر ) « 7 » .
هامش
( 1 ) جامع البيان ( 8 / 15 ) .
( 2 ) الطوسي : التبيان ( 4 / 257 ) .
( 3 ) الطبري : جامع البيان ( 8 / 15 ) .
( 4 ) انظر التبيان ( 6 / 402 ) .
( 5 ) تاج العروس ( 10 / 385 ) .
( 6 ) انظر القرطبي : جامع أحكام القرآن ( 7 / 68 ) .
( 7 ) مجمع البيان ( 10 / 571 ) .