وتمشيا مع مذهب المعتزلة في تجويز الخطأ والسهو على الأنبياء يفسر الزمخشري قوله تعالى :
أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ
بأنه ( وسوس إليه بما شيعها به فسبق لسانه على سبيل السهو والغلط إلى أن قال : تلك الغرانيق . . كذا ، قال الزمخشري : ولم يفطن حتى أدركته العصمة فتنبه عليه . . . « 1 » .
وتابع الفخر الرازي رأي الزمخشري في تجويز السهو على النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم ولكنه لم يقل بجواز الغلط ، إذ يفهم من غرض الآية أنها تبيّن ( أن الرسل الذين أرسلهم اللَّه تعالى وإن عصمهم عن الخطأ مع العلم فلم يعصمهم من جواز السهو ، ووسوسة الشيطان بل حالهم في جواز ذلك كحال سائر البشر . . . ) « 1 » .
وقد تصدى الكثير من أعلام ومفسري الأمة لهذه الروايات والآراء وردّوها لما تضمنته من إساءة إلى الرسول صلّى اللَّه عليه وسلّم فكذّبوا أو ضعّفوا رواتها وطعنوا في متونها ، قال النحاس : ( هذا حديث منقطع وفيه هذا الأمر العظيم ) « 3 » .
أما السيد المرتضى أبو القاسم علي بن الحسين الموسوي ( ت 436 ه / 1044 م ) فقد اعتمد على الآية في رد الرواية التي عدها خرافة لا أساس لها فالآية ( لا دلالة في ظاهرها على هذه الخرافة التي قصّوها ) « 4 » .
واستنكر الإمام ابن حزم الحديث الذي وردت فيه القصة فهو عنده ( كذب بحت موضوع ، لأنه لم يصح قط عن طريق النقل ولا معنى للانشغال به ، إذ وضع الكذب لا يعجز عنه أحد ) « 5 » .
وأورد القرطبي هذه الرواية في تفسيره ، ثم ردها ردا شديدا وسخّف القول بها معتمدا وموردا أدلة وآراء الرادّين والمنكرين لما روي من أحاديث في نزول الآية وقال عن هذه الأحاديث أنه : ( ليس شيء منها يصح ) « 6 » .
وقد نقل بعض المفسرين عن هذه الروايات أن العلماء المحققون ينفونها .
ويجزمون بأنها من وضع الزنادقة والطاعنين بكتاب اللَّه ونبوة محمد صلّى اللَّه عليه وسلّم « 7 » .
هامش
( 1 ) الكشاف ( 3 / 19 ) .
( 3 ) مفاتيح الغيب ( 23 / 55 ) .
( 4 ) انظر القرطبي : الجامع لأحكام القرآن ( 12 / 81 ) .
( 5 ) تنزيه الأنبياء : ( ص 107 ) ، المطبعة الحيدرية - النجف ( د . ت ) .
( 6 ) الفصل في الملل ( 4 / 21 ) .
( 7 ) جامع أحكام القرآن ( 12 / 80 ) .