تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الوحي ودلالته في القرآن الكريم والفكر الاسلامى — صفحة 43

مساهمون:

ص٤٣
ومن خلال هذه الأنواع ومراتب معرفة البشر واطّلاعهم عليها نستطيع أن نتبيّن الاختلاف والتفريق بين علمه تعالى بالغيب وعلم البشر ممن ارتضاهم لاطّلاعهم عليه فيتمثل لنا الاختلاف في ( أن إخبار الرسول [ البشر ] لا يكون علما بالغيب بل نقلا عمن يعلم الغيب ) « 1 » . فعلمه تعالى هو الأصل ، وعلم غيره فرع من ذلك الأصل ، كما يختلف التلقي للغيب في مصدره . فالأنبياء عليهم السلام ينقلون عن الأصل بالوحي الإلهي الذي يتلقونه عنه تعالى ، ويختلفون عن غيرهم كالكهنة والمنجمين الذين يصيبون في أخبارهم أحيانا ، ويفرق الطبري بين الإخبارين في : أن أنبياء اللَّه ورسله يخبرون به ( أي الغيب ) من غير استخراج ولا طلب لمعرفته باحتيال ، ولكن ابتداء بإعلام اللَّه إياهم من غير أصل تقدم ذلك احتذوه أو بنوا عليه أو فزعوا إليه كما يفزع المنجم إلى حسابه والمتكهن إلى رئيّه ) « 2 » . وإخبار الملائكة والأنبياء عليهم السلام بالغيب مرتبط بما يعبر عنه تعالى بالارتضاء والاصطفاء ، بتخصيص من يلقى إليه علم الغيب باختياره من بين كل البشر . فالاصطفاء : أخذ صفوة الشيء وخالصته ، واصطفاء اللَّه تعالى من الملائكة رسلا ومن الناس : اختياره من بينهم من يصفو لذلك ويصلح « 3 » . قال تعالى :
اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ . .
[ الحج : 75 ] ،
عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ . .
[ الجن : 26 - 27 ] ،
رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ . .
[ غافر : 15 ] . يفسر قتادة بن ربعي ( ت 117 ه / 735 م ) ذلك بأنه تعالى ( ربما أطلعه « أي المرتضى » على ما غاب عن غيره من الخلائق ، بأن يوحي إليهم بما شاء من الغيب ) « 4 » . وتقييد إلقائه على المرتضين دون العامة أتبعه تقييد آخر في الآية الأولى
هامش
( 1 ) الكاشف ( 3 / 431 ) . ( 2 ) جامع البيان ( 3 / 193 ) . ( 3 ) الطباطبائي : الميزان ( 14 / 419 ) . ( 4 ) انظر الطوسي : التبيان ( 10 / 158 ) .
الوحي ودلالته في القرآن الكريم والفكر الاسلامى — صفحة 43 | ستار جبر حمود الأعرجي