بلحاظ معنى الأصالة والتبعية في علم الغيب ( فهو تعالى يعلم الغيب لذاته وغيره يعلمه بتعليم اللَّه ) « 1 » أي : إن علم الغيب منفي عن البشر بمعنى أن يكون علمهم له طبيعة بشرية أعلى من طبيعة عموم البشر ، فالآيات نافية أن يكون علمهم للغيب بعلم ذاتي وليست بنافية للعلم الكسبي بمعنى ( انكشاف الغيب لهم بتعليم إلهي من طريق الوحي ) « 2 » فهو عند اللَّه سبحانه علم ، وهو من البشر إخبار بالكسب ، وهذا ما أكدته آيات أخرى كقوله تعالى :
ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ . .
[ آل عمران : 44 ] ،
تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ . .
[ هود : 49 ] . إذ يتبيّن لنا من ملاحظة ارتباط الآيات فيما ترمي إليه من مفهوم : ( أن الغيب للَّه وعند اللَّه ، وأنه لا طريق إلى معرفته بالتجربة ولا بالعقل ولا بأي شيء آخر إلا بالوحي منه تعالى ) « 3 » .
وما يلقى إلى البشر من الغيب الذي جوّزته الآيات الكريمة لا يشمل كل ما يقع تحت اسم الغيب ، فالغيب الإلهي أنواع لا يلقى إلى البشر إلا النزر اليسير منها ، . . .
عن الفضيل عن أبي عبد اللَّه الإمام جعفر الصادق عليه السلام ، ( ت 148 ه / 765 م ) : إن للَّه علما لم يعلمه إلّا هو ، وعلما أعلمه ملائكته وأنبياءه ورسله ، وما أعلمه ملائكته وأنبياءه ورسله فنحن نعلمه « 4 » .
ويقسّم محمد رشيد رضا الغيب على قسمين : ( غيب حقيقي لا يعلمه إلّا اللَّه ، وغيب إضافي يعلمه بعض الخلق دون بعض لأسباب تختلف باختلاف الاستعداد الفطري والعمل الكسبي ) « 5 » .
وزاد الشيخ محمد جواد مغنية نوعا ثالثا ، فأنواع الغيب عنده ثلاثة « 6 » :
1 - نوع يحجبه اللَّه عن عباده لا يطلع عليه أحدا كائنا من كان كقيام الساعة .
2 - نوع يطلع عليه من ارتضى من عباده . . .
3 - نوع يطلع عليه كلّ الناس كالبعث والنشر والجنة والنار . . . إلخ .
هامش
( 1 ) المصدر السابق ( 20 / 53 ) .
( 2 ) الطباطبائي : الميزان ( 18 / 111 ) .
( 3 ) مغنية ( محمد جواد ) : التفسير الكاشف ( 3 / 472 ) ، دار العلم للملايين - بيروت ط 2 ، 1978 م .
( 4 ) انظر الطوسي : أمالي الشيخ الطوسي ( 1 / 219 ) ، مطبعة النعمان النجف ( 1384 ه / 1965 م ) .
( 5 ) الوحي المحمدي ( ص 181 ) .
( 6 ) الكاشف ( 3 / 431 ) .