العالم من خلال اتصالها بقوى غير منظورة تنتمي إلى عالم مختلف ، ولم تكن مجرد دعوات تغييرية وتشريع جديد ينسخ ما قبله ، فثبت لدينا أن هؤلاء الأنبياء ( عرفوا ما لم يعرف بقية البشر بطاقة خفية لا تمت إلى المعارف السائدة بسبب وبالتالي لا سبيل إلى العقل البشري لإدراكها ) « 1 » .
ثانيا - صلته بالغيب
: مثلما يمثل الوحي بذاته ظاهرة خفية في ماهيتها ، فإن معارفه التي جاء بها مما لم يكن للبشر سابق معرفة به .
والغيب : ذهاب الشيء عن الحس ، ومنه
عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ
[ الرعد :
9 ] ، أي عالم بما غاب عن الحواس وبما حضرها « 2 » . ويضيف الراغب الأصفهاني إلى هذا التعريف بعدا آخرا ، إذ الغيب عنده ( ما لا يقع تحت الحواس ، ولا تقتضيه بدائه العقول وإنما يعلم بخبر الأنبياء ) « 3 » . فمعارفه غائبة عن الحس البشري المحدود المقيّد ، فهو غيب بالنسبة إلى الإنسان إذ ( يقال للشيء غيب وغائب باعتباره بالناس لا باللَّه تعالى فإنه لا يغيب عنه شيء ) « 3 » ، قال تعالى :
لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ
[ سبأ : 3 ] ، وقال تعالى :
وَما مِنْ غائِبَةٍ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ
[ النمل : 75 ] ، وقال تعالى :
وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ
[ هود : 123 ] .
وأما ما يشتمل عليه إطلاق لفظ الغيب مما لا يقع عليه الحس فهو ( اللَّه سبحانه وتعالى وآياته الكبرى الغائبة عن حواسنا ومنها الوحي ) « 5 » .
والإيمان بالوحي وإثباته معتمد أساسا ومستلزم للإيمان بالغيب وإثباته ، لأن إنكار الغيب ( وبضمنه وجوده تعالى ) هدم لأهم أسس العقيدة ، وبه يقع على الإنسان اسم الإلحاد « 6 » .
فالإيمان بالغيب أصل من أصول الإيمان ، وبإضافة الإيمان بالوحي ( النبوة )
هامش
( 1 ) انظر أحمد حسين : محمد رسول اللَّه نبي الإنسانية ( ص 67 ) ، دار الشروق - بيروت ط 1 ، ( 1400 ه / 1980 م ) .
( 2 ) انظر الطوسي : التبيان ( 6 / 201 ) .
( 3 ) المفردات ( ص 366 ) .
( 5 ) الطباطبائي : الميزان ( 1 / 45 ) .
( 6 ) الراغب : المفردات ( ص 366 ) .