ووجود الرؤيا كما يرى ابن خلدون أنها تمثّل استعدادا في عامة البشر إلا أن هناك ما يمنعها وهو الحواس الظاهرة ، ولذلك فإن اللَّه تعالى فطرهم على ارتفاع حجاب الحواس بالنوم وهو جبلة لهم [ أي لبني البشر ] فإن كان ذلك الارتفاع لشغل الحواس [ النوم ] تعرضت النفس إلى ما تتشوق إليه في عالم الحق ) « 1 » .
ولفهم العناصر المختلفة في تصور ابن خلدون للرؤيا نتبع معه حالات متسلسلة يسير فيها مع حركات البدن حتى يصل إلى حالة انطباع ما في الروح العقلي وظهور الرؤيا ، ويمكن إجمال تصوره هذا كما يأتي « 1 » :
إن الروح القلبي : وهو البخار اللطيف المنبعث من تجويف القلب اللحمي ينتشر في الشرايين ومع الدم في سائر البدن وبه تكمل أفعال القوى الحيوانية وإحساسها .
هذا الروح إذا أدركه الملل من كثرة التصرف في الإحساس بالحواس الخمس وتصريف القوى الظاهرة ينحبس من سائر أقطار البدن إلى مركزه القلبي ، وذلك يجعله يستحم لمعاودة فعله فيؤدي إلى تعطل الحواس الظاهرة كلها .
هذه العمليات البدنية في عمومها هي معنى النوم .
وتتمثل الرؤيا هنا من خلال أن الروح القلبي هو مطية للروح العقلي من الإنسان ، وهذا الروح العقلي : هو المدرك لجميع ما في عالم الأمر بذاته ، لأن حقيقته هي عين الإدراك ، وما يمنعه من التعلق بالمدارك الغيبية هو ما فيه من حجاب الاشتغال بالبدن وقواه وحواسه .
وما دام هذا الحجاب قد زال بحصول حالة النوم ، عاد الروح العقلي إلى حقيقته [ وهي عين الإدراك ] فيعقل كل مدرك ، هذا إذا كان التجرد عن الشواغل كليا .
أما إذا كان التجرد عن بعض الشواغل [ الحجب ] فإن الروح العقلي يكون له إدراك لمحة من عالمه بقدر ما تجرد له منه فبذلك تكون الرؤيا .
ويكاد الشيرازي - الذي نختم به بحثنا في الرؤيا - أن يتبع ابن خلدون في هذا التسلسل الواقع في انحباس الروح إلى الباطن بركود الحواس وارتفاع الموانع
هامش
( 1 ) المقدمة ( ص 73 و 299 ) بتصرف .