ونحن هنا نلمس مدى الدور الذي يعطيه ابن سينا للحس المشترك في الرؤيا ، إذ أنه يمثل عنده اللوح الذي تنقش فيه مدارك الغيب ، فإذا تمكن منه [ أي حصل ] النقش من ذلك اللوح صار النقش في حكم المشاهد « 1 » .
ويستدل أبو البركات البغدادي ، هبة اللَّه علي بن ملكا ( ت 547 ه / 1152 م ) بصدق ما يرد في الرؤيا على وجود عارف يعرّف الرائي ويخبره بما يرد فيها ، وذلك لأن ( الرائي يرى في المنام ما يعرّفه وينذره ويحذّره ويبشّره من علم ما سيكون قبل كونه ، ثم تصدق رؤياه ويشهد لها الوجود سابقه وحاضره ولاحقه بما لا يقبل الشك ، فيثبت لزوم وجود عارف عرفه ومخبر أخبره ) « 2 » .
والمخبر الذي يتلقى عنه ما يرد في الرؤيا يثبت عند البغدادي أنه ليس من جنس الناس الذين يدركون بالحواس ، ويستدل على ذلك بعنصر الخفاء الذي يتوافر في الرؤيا مثلما يتوافر في الوحي عموما ، ووجه الاستدلال أن من يحضر الرائي لا يدرك نفس ما يدركه ولا يخبر بنفس ما أخبر به ، كما أن حواس الرائي نفسه معطلة إذ إن ( عينه التي يرى بها مغمضة وأذنه غير سامعة ، وإلّا لكان من حضره يسمع ما سمعه ) « 2 » وهذا يثبت إذن أن المخبر والمعرّف لا يقع تحت إدراك الحواس ، ويستنتج أبو البركات من هذا عنصرين مهمين في نظريته في الرؤيا « 2 » هما :
1 - إن الرائي من النائم هو روحه الباطنة وقواه الذهنية دون آلاته الظاهرة المحسوسة المرئية ( الباصرة ) .
2 - إن مناجيه ومخبره روح غير متجسد بجسد كثيف مرئي وإلا لرآه من عنده من المستيقظين .
وقد أنكر أبو البركات ما ذهب إليه بعض الفلاسفة من أن علم الغيب للنفس أمر في جوهرها لولا شواغل الحس الظاهر لها .
وإنكاره ذلك متأت من أن هذا الكلام لا يتسق مع ما نرى من علم الغيب في المنام ، وذلك لأن علم الشيء من الوجود والغيب ليس بموجود ، أو من جهة أسبابه
هامش
( 1 ) المصدر السابق .
( 2 ) المعتبر في الحكمة ( 2 / 295 ) جمعية دائرة المعارف البريطانية حيدرآباد . الدكن ، ط 1 ( 1358 ه ) .