تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الوحي ودلالته في القرآن الكريم والفكر الاسلامى — صفحة 261

مساهمون:

ص٢٦١
وفواعله ومقدريه ومريديه ومدبريه العازمين على فعله ) « 1 » . وهذه الجهة الثانية من أسباب العلم اختلف فيها الفلاسفة « 1 » : فقال بعضهم : هم الملائكة الذين على أيديهم وبسفارتهم يكون الخلق والأمر تطلع نفس النائم على ما عندهم من ذلك قبل خروجه إلى الوجود فتعلم الغيب . وقال آخرون : بل والجن يعلمون ذلك من جهتهم فيخبرون البشر به في نومهم . وكلا الوجهين جائز عنده . أما العالم والخبر نفسه الذي يعلم النائم فأبو البركات يرى أن علمه يكون بعلم آخر ، وحين يحاول تحديد هذا العالم المخبر يجعل له حد الحيوانية ، فهو يستنتج من الحكمة النظرية أنها تشير إلى وجود حيوان روحي له حد الحيوانية وهو جسم ذو نفس حساس متحرك بالإرادة ناطق أي عارف قائل ) « 1 » . وتميّز ابن خلدون في بحثه في الرؤيا كما تميز مذهبه في الوحي عموما ، إذ نجده في الرؤيا ينطلق من المفاهيم الإسلامية القرآنية ويؤسس عليها عناصر فهمه للرؤيا واضعا لها في إطار يجمع إلى البعد الفلسفي السمة الدينية الاعتقادية وإن طغت عليه العناصر الفلسفية . فهو يستفيد من الرواية عن الرسول صلّى اللَّه عليه وسلم : « إن الرؤيا جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة » إن الرؤيا مدرك من مدارك الغيب ، وإن حقيقيتها عنده : ( مطالعة النفس الناطقة في ذاتها الروحانية [ ل ] لمحة من صور الواقعات ) « 4 » . ولتتهيأ للنفس هذه المطالعة من خلال صيرورتها روحانية فإن هذه الصيرورة متوقفة كما يرى على ( أن يتجرد من المواد الجسمانية والمدارك البدنية ) « 4 » وذلك مما قد يقع للنفس في حال النوم ، وهو مؤذن لها بأن تقتبس بهذه الروحانية علم ما تتشوق إليه من الأمور المستقبلة وتعود إلى مداركها البدنية ثانية وهذا الاقتباس للعلم يكون على نوعين « 4 » : فإذا كان ضعيفا جلّي بالمحاكاة والمثال في الخيال لتخلّصه فيحتاج إلى التعبير ، وإذا كان الاقتباس قويا فإنه يستغني عن المحاكاة فلا يحتاج التعبير لخلوصه من المثال والخيال .
هامش
( 1 ) المعتبر في الحكمة ( 2 / 296 ) . ( 4 ) المقدمة ( ص 73 ) .