فالوحي ما يسرع أثره من كلام الحق تعالى في نفس السامع . . لأنها عين الوحي الإلهي في العالم . . وقد يكون إسراع الروح الإلهي الأمري بالإيمان بما يقع به الإخبار والمفطور عليه كل شيء مما لا كسب له فيه من الوحي . .
فكل ما لم يكن مكتسبا من علم يتفجر في النفس بالروح الإلهي الذي يعرف بدلالة النفس هو وحي .
وأما ما كان من تدبير أو تفصيل أو تفكير فليس بوحي .
وانطلق مفسرون آخرون في فهمهم للوحي من أصل الخفاء والإسرار ، فالوحي عندهم : ( سر من غير واسطة ) « 1 » . وفي ذلك إشارة إلى الإلقاء في خفاء الذي يمثل مسارّة بين الموحي والموحى إليه دون اطّلاع غيرهما ودون توسط بينهما . من هنا فرقوا بين هذا المعنى وبين الإنزال ، فهم يفهمون من قوله تعالى :
. . بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ
[ المائدة : 67 ] ، أن الوحي كان خالصا له مستورا ، وكان مخفيا عن غيره إلا أنه تضمن الواسطة في الإنزال إليه ( لأن الرسالة والإنزال ظاهران بواسطة ) « 1 » .
وفي الجواب على سؤال الحكيم الترمذي : ما الوحي ؟ يذهب ابن عربي إلى أن أصل الوحي إجمالا هو أنه : مواقع الإشارات الإلهية في القلب « 3 » .
فأساس هذا التحديد أنه إنما يسمى وحيا من جهة قربه من القلب ، لذلك فإن ابن عربي يقرر من هذا مفهوما عاما بأن كل ما يسمى وحيا مما لا يقع ضمن هذا الصنف فبسبب هذا الجوار ويكون ( من باب تسمية الشيء باسم ذلك الشيء إذا كان مجاورا له ) « 3 » .
وتتبلور حقيقة الوحي عنده في نظره إليه على أنه انبعاث من ذات النفس الإنسانية وكشف لأعماقها ، ويبرز مصدر الوحي هنا من أن هذا الوحي ( فيض من الروح الكلي الساري في جميع النفوس الجزئية المتحد بها على الدوام ) « 5 » .
فلا وحي من خارج عند ابن عربي إن هو إلّا انعكاس داخلي من النفس النبوية
هامش
( 1 ) انظر السلمي : حقائق التفسير ورقة ( 66 ) .
( 3 ) ابن عربي : الجواب المستقيم عما سأل عنه الترمذي الحكيم ( مخطوط ) نقلا عن ملحق ختم الأولياء للترمذي ( ص 220 ) ، ( الهامش ) .
( 5 ) ابن عربي : فصوص الحكم ( 2 / 94 ) .