البشرية حتى ينتزع عنه أوصاف البشرية ، ويحليه بحلية الاختصاص ، حينئذ يكلّم شفاها ) « 1 » .
أما الحكيم الترمذي فالإتيان بالنبوة عنده متعلق بين الروح والوحي ، فالنبوة التي هي كلام اللَّه حين ينفصل منه تعالى ( يكون معه روح من اللَّه ، فيقضى بالوحي ويختم بالروح فبه قبوله ) « 2 » .
ويرى الإمام الغزالي في اكتمال النفس طريقا في تلقيها الغيب ( الوحي ) فالنفس إذا اكتملت ذاتها زال عنها دنس الطبيعة ودرن الحرص والآمال الفانية وأقبلت بوجهها إلى بارئها تعالى ، فإذا كان لها ذلك التجرد ( فإنه تعالى بحسن عنايته يقبل على تلك النفس إقبالا كليا وينظر إليها نظرا إلهيا ، ويتخذ منها لوحا ومن النفس الكلي قلما وينقش فيها جميع علومه ، ويصير العقل الكلي ، كالمعلّم والنفس القدسية كالمتعلّم . . . وينتقش فيها جميع الصور من غير تعلم وتفكر ) « 3 » .
ومصداق هذا التجرد من العبد والإقبال من الباري تعالى ما في قوله تعالى :
. . . وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ . .
[ النساء : 113 ] وهي الدرجة التي يصل إليها المتجرد ، فهذا العلم هو أشرف مراتب العلم ، لأن الواسطة انعدمت فيه ، فهو أقوى وأكمل من العلم المكتسب بالنظر والاستدلال لأنه يأتي دون تعلم أو اجتهاد .
ويقسّم الغزالي هذا العلم المخصوص بهذه الكيفية بحسب مرتبته ومتلقيه على قسمين « 4 » : فمنه ما لا يدري العبد كيف حصل له ، ومن أين حصل وهذا يسمى إلهاما وقذفا في الروع ، وهو لا يختص بالأنبياء وحدهم وإنما يشترك معهم غيرهم وهم هنا الأولياء والأصفياء .
ومنه ما يطّلع العبد ( المتلقي ) معه على السبب الذي منه استفاد ذلك العلم ، ويتمثل السبب هنا في رؤية المتلقي للملك الذي يلقي بهذا العلم في القلب ، وهذا العلم هو المسمى بالوحي وهو يختص بالأنبياء وحدهم .
هامش
( 1 ) انظر السلمي : الحقائق ورقة ( 2 29 ب / 3 29 أ ) .
( 2 ) ختم الأولياء ( ص 346 ) .
( 3 ) رسائل الغزالي : ( م 3 / 104 ) .
( 4 ) إحياء علوم الدين مجلد 3 ( 8 / 32 ) طبعة مصورة عن طبعة لجنة نشر الثقافة الإسلامية ( 1356 ط 1 ، 1395 ه / 1975 م ) .