والرؤيا من أشكال الوحي المستمرة بعد انقطاع وحي النبوة ، فهي منفذ باق إلى عالم الغيب وإن افترقت رؤيا غير الأنبياء عن رؤاهم عليهم السلام .
. . .
عن عطاء بن يسار أن الرسول صلّى اللَّه عليه وسلّم قال : « لن يبقى بعدي من النبوة إلا المبشرات . فقالوا : وما المبشرات يا رسول اللَّه ؟ فقال صلّى اللَّه عليه وسلّم : الرؤيا الصالحة يراها الرجل أو ترى له » « 1 » .
وهذه الرؤيا هي ما فسر به الرسول صلّى اللَّه عليه وسلّم قوله تعالى :
لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ . . .
[ يونس : 64 ]
فعن أبي الدرداء وأبي هريرة وعبادة بن الصامت أنه صلّى اللَّه عليه وسلّم قال حين سئل عن البشرى في الآية : « هي الرؤيا الصالحة يراها الرجل أو ترى له » « 2 » .
ويذهب بعض المفسرين إلى أن نسبة ما يطّلع عليه من الغيب في الرؤيا تقوى باستمرارية تقدم الزمان وابتعاد عهد النبوة ، ويعلل ذلك في نور النبوة في عهد رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم ما يغني عن الرؤيا في اطّلاع الناس على الغيبيات ، لذلك فكلما ابتعد عهد النبوة اشتدت الحاجة إلى مصدر آخر للاطّلاع على الغيب ، ( فيتعوض المؤمنون بالرؤيا ) « 3 » .
الصورة الثانية : الوحي بواسطة الملك
: يستفاد من مجموعة الآيات الكريمة التي تتطرق إلى نزول القرآن الكريم كقوله تعالى :
نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ . .
[ الشعراء : 193 ] ، وقوله تعالى :
. . مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ . .
[ البقرة : 97 ] وقوله تعالى :
إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ
[ التكوير : 19 - 20 ] يستفاد أن القرآن الكريم أوحي جميعه بهذه الصورة المعبّر عنها بإرسال الرسول الملكي جبريل عليه السلام إليه ونزوله عليه بالوحي ، مما يؤكد أن هذا الوحي تمثلت فيه خصوصية الوحي من طريق التكليم والخطاب الشفوي من قبل الملك إلى النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم ناقلا إليه كلام اللَّه تعالى ، فدور الملك في هذه الصورة من الوحي متمثل في أنه يحمل
هامش
( 1 ) الإمام مالك بن أنس ( ت 179 ه / 795 م ) الموطأ ( ص 593 ) كتاب الرؤيا ، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي ، سلسلة كتاب الشعب ، القاهرة ( د . ت ) .
( 2 ) جامع البيان ( 11 / 93 ) .
( 3 ) ابن قيم الجوزية : مدارج السالكين ( 1 / 51 ) .